إذا هتف القمري نازعني الهوى
بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلا أن يفرق بيننا
وكنا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زمانا وبينها
كما كان بين المسك والعنبر الورد
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه ونجري في مودتنا إليه في شعره هذا. وذكرت أيضا ما رماني به الدهر من فرقة أعزائي من إخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصائي الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتا تقصر عن صفة وجدي وكنه ما يتضمنه قلبي، وهي:
بخدي من قطر الدموع ندوب
وبالقلب مني مذ نأيت وجيب
ولي نفس حتى الدجى يصدع الحشا
ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضر نفسي وسقمها
يخبر عني أنني لكئيب
كأني لم أفجع بفرقة صاحب
ولا غاب عن عيني سواك حبيب
وله من كتاب إلى ابن الزيات
لا والله ما عالج الناس داء قط أدوى من الغيظ، ولا رأيت شيئا هو أنفذ من شماتة الأعداء، ولا أعلم بابا أجمع لخصال المكروه من الذل. ولكن المظلوم ما دام يجد من يرجوه، والمبتلى ما دام يجد من يرثي له، فهو على سبب درك وإن تطاولت به الأيام. فكم من كربة فادحة وضيقة مصمتة قد فتحت أقفالها وفككت أغلالها، ومهما قصرت فيه فلم أقصر في المعرفة بفضلك، وفي حسن النية بيني وبينك، لا مشتت الهوى لا مقسم الأمل على تقصير قد احتملته وتفريط قد اغتفرته. ولعل ذلك أن يكون من ديون الإدلال وجرائم الإغفال، ومهما كان من ذلك، فلن أجمع بين الإساءة والإنكار، وإن كنت كما تصف من التقصير وكما تعرف من التفريط، فإني من شاكري أهل هذا الزمان وحسن الحال متوسط المذهب، وأنا أحمد الله على أن كانت مرتبتك من المنعمين فوق مرتبتي في الشاكرين.
| أمثلة من جمل الجاحظ تجري مجرى الأمثال
احذر من تأمن، فإنك حذر ممن تخاف.
قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ خير من كثير وافق من الأسماع نبوة ومن القلوب ملالة.
عقل المنشئ مشغول وعقل المتصفح فارغ.
ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف؛ لأن الوقت قصير والحين مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة وتطول المدة وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا، وابن عم شامتا، وجارا حاسدا، ووليا قد تحول عدوا، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك.
خمس يضنين: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، وطعام ينتظر به، وإبريق يسيل، وبيت يكف.