تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ولم يقف النفوذ الفارسي في صدر الدولة العباسية عند السياسة والعلم والأدب، بل أخذ القوم بطرائقهم في الملبس والأثاث والآنية والمأكل، حتى إن ملوكهم كانت تصور على أقداح الخمر، قال أبو نواس:

تدور علينا الكأس في عسجدية

حبتها بأنواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها

مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما زرت عليه جيوبهم

وللماء ما دارت عليه القلانس

وأسماء الملابس والمآكل والأواني والأزهار والأثاث تدلك على مبلغ الأثر الفارسي؛ لأن كثيرا منها معرب عن الفارسية.

فيمكننا والحالة هذه أن نقسم أثر الفرس في الأدب العربي إلى قسمين: الأول في دولة بني أمية، والثاني في دولة بني العباس، أما في عهد الأمويين فقد كان الأدب عربيا خالصا في المادة والمعنى، ولم يكن للفرس عمل فيه إلا مدارسته وحفظه وروايته، وأما في عهد بني العباس فقد كان أثرهم أعمق لا في الأسلوب البياني بل في التفكير والحس والخيال ؛ لأنهم حرصوا كثيرا على الديباجة العربية وأساليب العرب في البلاغة، فكان من وراء ذلك خير للأدب كثير، فهم والحالة هذه عرب في لغتهم وفصاحتهم وأساليب بيانهم، فرس في نسبهم وتفكيرهم وشعورهم وأخيلتهم.

| نسب ابن المقفع ووطنه

كل من ترجم لابن المقفع لم يذكر غير اسمه واسم أبيه «روزبه بن داذويه»، وأن كنيته قبل أن يسلم أبو عمرو وبعد أن أسلم سمي عبد الله، وكني بأبي محمد، وأنه من أصل فارسي، إلا ابن النديم فإنه عرفنا باسم جده «المبارك» وأن آباءه من خوز.

وبلاد خوز - وتعرف بخوزستان ويسميها العرب الأهواز - قريبة من البصرة، نزلتها القبائل العربية منذ الفتح، قال ياقوت في معجم البلدان: أرض خوزستان أشبه شيء بأرض العراق وهوائها وصحتها، وأما لسان أهل خوزستان فإن عامتهم يتكلمون بالفارسية والعربية، غير أن لهم لسانا آخر خوزيا ليس بعبراني ولا سرياني ولا عربي ولا فارسي، والغالب عليهم الاعتزال، وفي كورهم جميع الملل.

أما داذويه والد ابن المقفع فقد كان مجوسيا مستعربا، ولاه الحجاج بن يوسف الثقفي خراج بلاد فارس، فنال شيئا من مال السلطان، فضربه الحجاج حتى تقفعت يده، فلقب بالمقفع، وعرف ابنه بابن المقفع.

ولد ابن المقفع حوالي سنة ست ومائة، وسماه والده روزبه، ونشأ بالبصرة في ولاء آل الأهتم، والبصرة بلدة اختطتها العرب في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانت لعهد ابن المقفع أعظم مدن العلم والأدب في الإسلام، لا سيما اللغة والفصاحة وفنون الأدب؛ لأن بغداد لم تكن بنيت بعد، وهي منذ القرن الأول مجمع أهل العلم والأدب، فيها المربد الذي خلف سوق عكاظ في الجاهلية، كان يؤمه الشعراء مع رواتهم للمناضلة والمناشدة، وفيه مجالس للعلم والأدب وحلقات للمناشدة والمفاخرة، ومن أشهر حلقاته حلقة الفرزدق وراعي الإبل، ورجال الأدب الذين نبغوا في البصرة أعظم من أن يحصوا في مثل هذه الرسالة، ويكفيك أن أبا الأسود الدؤلي أول من شرع وضع النحو هو بصري، وكذلك جماعته الذين أتوا من بعده كابن أبي إسحاق الحضرمي أول من علل النحو ، وعيسى بن عمر الثقفي أول من ألف فيه، وهارون بن موسى أول من ضبطه، وسيبويه أول من أجاد في تأليفه، والبصرة إذ ذاك مجتمع فصحاء الأعراب أيضا، يفدون إليهم فيلقون كل تجلة وإكرام من رواة اللغة والأدب الذين يتلقون عنهم شوارد العربية ونوادر الإعراب.

ولم تكن مدينة تناظر البصرة في تلك النهضة العلمية غير الكوفة، فهما مدينتا العلم والأدب في الإسلام، ولكن البصرة كانت الراجحة، وللبصريين والكوفيين مذاهب في العربية، احتدم الجدال بشأنها وألف فيها عدد من الكتب.

وفي البصرة نبغ قتادة بن دعامة، وبشار بن برد، وصالح بن عبد القدوس، والرقاشي، وابن مناذر، وسلم الخاسر، وأبو نواس، والسيد الحميري، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، وغيرهم من أئمة الأدب في القرن الذي عاش فيه ابن المقفع.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)ص ٧