وبما أن هذا القسم لا إلزام فيه ولا حدَّ وإنما هو متروك لقوة صلة العبد بالله تعالى ورجائه لفضل الله فإن أفضل أنواعه ما كان أقرب إلى النفس وأحبَّها إليها. كما جاءَ في أفضل الصدقة عند الله تعالى قال - صلى الله عليه وسلم - : «أنفسُها عندَ أهلها» وقد جاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه أهدى جملاً في أنفه حلقة فضةٍ من أكرم أنواع الإبل كان قد أعطي فيه ثمانين بعيرًا. ولما سئل عن ذلك وقيل له: كان يكفيك غيره قال: أردتُّ إغاظة المشركين. وفي هذه الحالة تكون الصدقة أعلى منزلة وأعظم قدرًا وأبلغ أثرًا في النفس، وأقوى دلالة على صدقه مع الله تعالى. يعتبر فضل الصدقة بالكيفية والصورة التي تقع بها من سماحة النفس ورغبة الإحسان لا بالكثرة والمظهر. وقد يدرك العبدُ بالنية الصَّالحة ما يحصُل للمتصدق بالمال الكثير، كما جاء في حديث أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ثلاثٌ أقسم عليهنَّ...» إلى أن قال: «وأحدِّثكم حديثًا فاحفظوهُ. قال: إنما الدنيا لأربع نَفَر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم أنَّ لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته، فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم ولا يتَّقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقًا فهو بأخبث المنازل، وعبد لم يعطه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أنَّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيَّته، فوزرهما سواء» فقد أدرك صاحب النية الحسنة من الفضل والمنزلة مثل ما أدركَهُ صاحب المال الذي يعرف حق الله تعالى فيه ويصلُ به رحمه.
من عجائب الصدقة · الصفحة ١٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
من عجائب الصدقةص ١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي