يترجح - والله أعلم - القول بأن ضمان خطأ الطبيب على العاقلة ، لقوة ما استدلوا به ، ولأن هذا هو الأصل في الديات ، أن ما كان خطأ فتحمله العاقلة تخفيفاً على الجاني ، ولأنه يكثر الخطأ في فعل الأطباء ، فإيجاب الدية عليهم في أموالهم إجحاف بهم ، وسد لباب التطبيب ، لا سيما المواضع التي يكون المريض فيها في حالة الخطر ، فلا يقدم أحد على علاجه .
الحال الرابعة : أن يكون الطبيب حاذقاً فيجتهد في وصف الدواء للمريض فيخطىء ، إما في صرف علاج لا علاقة له بالمرض، أو في صرف كمية أكثر من الكمية اللازمة، أو نحو ذلك، فيتلف المريض ، أو عضو من أعضائه ، أو منفعة من منافعه.
وتأخذ هذه الحال حكم الحال السابقة .
الحال الخامسة : أن يكون الطبيب حاذقاً ، لكن يداوي المريض بلا إذن .
وتحته أمور :
الأمر الأول : أن يكون الطبيب غير متبرع .
إذا كان الطبيب غير متبرع بالمداواة ، بل مستأجر ، فلابد من رضا المريض وأهليته للإذن بأن يكون بالغاً عاقلاً ، فإن لم يكن أهلاً فلابد من إذن وليه.
إذ عقد الإجارة يعتبر فيه رضا المتعاقدين ؛ قال اللَّه تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)) (النساء:29) والإجارة تجارة .
ويعتبر فيه أهلية العاقد فلا يصح عقد الإجارة من الصبي والمجنون ، لأنه محجور عليها في تصرفاتهما المالية ، والإجارة مشتملة على المعاوضة المالية.
وعلى هذا يضمن الطبيب ما حصل بمداوته من تلف باتفاق الأئمة (1).
الأمر الثاني : أن يكون متبرعاً .
وقد اختلف الفقهاء في تضمين في هذه الحال على قولين :
القول الأول : أن الطبيب لا يضمن في هذه الحال .
وبه قال ابن حزم (2)، واختاره ابن القيم (3) .
(1) - انظر : بدائع الصنائع 4/176 ، وحاشية الدسوقي 4/3 ، وروضة الطالبين 5/173 ، والمبدع 5/89
(2) - المحلى 10/444 .
(3) - زاد المعاد 4/141 .