فالمعاصي تحيط بالقلب من كل جانب، فإذا اتبع الرجل هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، فإذا أصرَّ ولم يتب توالت عليه الظلمات وزادت فتزداد بذلك حيرته، وتتمكن شقوته، ويقع في المهلكات وهو لا يشعر، وتقوى ظلمة القلب حتى تعلو وجه صاحبها وتصير سواداً يراه كل أحد، قال ابن عباس – رضي الله عنه -: ((إن للحسنة لنوراً في القلب، وضياءً في الوجه، وقوة في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وسواداً في الوجه، ووهناً في البدن، وبغضاً في قلوب الخلق)). وهذه الأمور – هذا البياض وذلك السواد اللذان ذكرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث – قد يدركها ذوو البصائر في هذه الدنيا إلا أنها تظهر في وجوه أصحابها ظهوراً تاماً بيِّناً لا لبس فيه ولا غبش يوم القيامة، يوم تُبلى السرائر ويظهر مكنون الضمائر كما قال جل ذكره: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (الزمر60-61). وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (آل عمران: 106- 107).
إن الذنوب كلَّها دقيقها وجليلها تفسد القلوب، وتعكر صفوها، ولذلك أمر الله تعالى بتركها، فقال جلَّ وعلا: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُج ﴾ (الأنعام: 120)، فواجب على كل مؤمن أن يترك الذنوب الظاهرة والباطنة، لا سيما آثام القلوب وخطاياها، فإنها شديدة الفتك عظيمة الأثر.