قال رحمه الله تعالى: (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم) وهذا لا إشكال فيه، فإن الله سبحانه وتعالى وصف إبراهيم بالحنيفية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (1) والحنيف هو المائل من الشرك إلى الهدى، وأصل الحنف: هو الميل من الضلالة إلى الهدى، هذا أصل الحنف، ويقابله في المعنى الجنف: وهو الميل من الهدى إلى الضلالة. يقول رحمه الله: (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم) فمن رغب في الحنيفية وهي: الاستقامة على الصراط المستقيم، فليلزم ملة إبراهيم التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (2) أي: خسرها، ولم يكسب منها شيئاً، فسفهُ النفس وخسارها: هو بترك ملة إبراهيم، ثم بين رحمه الله هذه الملة وهذه الحنيفية فقال:
قال رحمه الله تعالى: (أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين) وهذا يشمل كل عبادةٍ قوليةً أو فعليةً، أو قلبية، واجبةً أو مستحبة، فيجب أن تكون العبادة بجميع أنواعها وأقسامها لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وقوله: (مخلصاً) حال من العابد، فيجب أن يكون العابد مخلصاً في عبادته لله تعالى، والمخلص: هو الذي خلَّص عبادته من أوغال الشرك، ولوثات الوثنية، بأن يخلص في قلبه بإرادة الله - عز وجل -، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجهه، وأن يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمله وسيرته، فإذا تحقق له هذان الأمران فقد تحقق له وصف الحنيفية، واتباع ملة إبراهيم مخلصاً له الدين، أي: مخلصاً له العمل، وهذا يشمل العمل القلبي، وعمل الجوارح كما تقدم بيانه.
(1) () النحل: (120).
(2) () البقرة: (130).