وإلى القارئ شيئا من هجاء ابن الرومي للأخفش ليتبين صحة ما ذهبنا إليه، قال من قصيدة طويلة رائعة:
قلت لمن قال لي: عرضت على الأخ
فش ما قلته فما حمده
قصرت بالشعر حين تعرضه
على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه، فلا
ثعلبه كان، لا ولا أسده
فإن يقل: «إنني رويت» فكالدف
تر جهلا بكل ما اعتقده
أرمت زيني بأن تعرضني
لمدحه؟ فالذليل من عضده
أم رمت شيني بأن تعرضني
لثلبه؟ فالسليم من قصده
إلى أن قال:
شعري شعر إذا تأمله الإن
سان ذو الفهم والحجا عبده
لكنه ليس منطقا بعث الله
به آية لمن جحده
ولا أنا المفهم البهائم والطي
ر سليمان قاهر المرده
وما بلغت بي الخطوب رتبة من
تفهم عنه الكلاب والقرده
ثم قال بعد أبيات:
لا رحم الله أم أخفشكم
ولا سقى قبر والد ولده
ماذا عليه وقد رأى ولدا
أعور جم العوار لو وأده!
سأسمع الناس ذمه أبدا
ما سمع الله حمد من حمده
وفي هذه القصيدة أيضا من هجر القول ما لا يسمح بذكره المقام.
وقال من قصيدة أخرى:
لا يأمنن السفيه بادرتي
فإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط إن تلوم في السي
ر وعندي اللجام إن ركضا
وفيها يقول:
أضحى مغيظا على أن غضب الل
ه عليه ونلت منه رضا
قولا له: ينطح الجدار إذا أع
يا، وصم الصفا إذا امتعضا
ولا يحمل ضعيف منته
حربي، فما مثله بها نهضا
إلى أن يقول:
أقسمت بالله لا غفرت له
إن واحد من عروقه نبضا
فإذا ذكرنا - إلى ذلك الهجاء المقذع - أن في التنويه بابن الرومي إساءة إلى جمهرة من أعيان الدولة، وكبار رجالها الذين هجاهم ابن الرومي أو هجا آباءهم - كما أسلفنا القول - عرفنا السر في هذا الإغفال.
| هوامش
| ما رأيك؟1
عجوز أظهرت دهشا كبيرا
أتعرف كل دهشتها لماذا؟
شرت لقرينها خبزا، فلما
أتت ألفته مات، فكان ماذا؟
شرت كفنا له توا وعادت
فألفته صحا، دهشت لهذا
| أبو العلاء المعري في لزومياته
أبو العلاء رجل سوداوي المزاج؛ ممعن في السخط على الحياة، بالغ في سخطه وبرمه مدى لا يشركه فيه إلا القليل النادر من الفلاسفة المتشائمين.
وهو مطلع واسع الاطلاع على آداب أكثر الأمم التي نقلت آدابها إلى العربية، وعالم واع أخبارها، صادق حين يقول:
ما مر في هذه الدنيا بنو زمن
إلا وعندي من أخبارهم طرف
وهو - مع هذا العلم الغزير بتواريخ الأمم المختلفة، والرواية الواسعة لآدابهم المتباينة - ممحص فطن خبير بتمييز الأخبار، دقيق في نقد زائف القول من صحيحه.
وأبو العلاء مفكر؛ عميق التفكير، ملهم المعنى ملقى الحجة، وعالم من أكبر أساطين اللغة المشهود لهم بالسبق والتفوق.
وهو - إلى ذلك - شاعر فنان، عريق في الفن، عارف بروائعه، خبير بأسرار الجمال، ومواطن الجلال، وهو حر الفكر واسع الخيال فياض المعاني مشرق الديباجة لا يعوقه عن بلوغ غايته شأو، ولا يقف في سبيله حاجز. •••
هذه الميزات الباهرة هي أول ما يبدهك من شعر أبي العلاء - الحافل بروائع الفن والفلسفة - حين تقرأ كتاب اللزوميات؛ فتطالعك كل صفحة منه بما يزيدك اقتناعا بتلك المزايا العالية التي أفردت أبا العلاء فأحلته أسمى مكان بين شعراء العربية جميعا، وتعاونت على تكوين شخصيته الجذابة فمازته من بين جبابرة الفكر وأساطين الفن المبرزين.
وأي روض من رياض الفكر، أحفل بروائع الفلسفة والفن من ذلك الروض الفكري البهيج الذي تتملى به في كل صفحة من صفحات اللزوميات؛ إذ تقرؤها فتطالع فيها سفرا من أسفار الحياة حافلا بأسمى وأروع ما يبدعه العقل الإنساني، ونتمثل فيها الخوالج النفسية واضحة جلية، لا لبس فيها ولا إبهام. •••
اقرأ كل صفحة من صفحات الكتاب بروية وأناة، وأنا الزعيم لك بأنك لن تجد إلا ما حدثتك عنه من الروعة والجلال، فإذا حال دون إمتاعك به كلمة غريبة عنك، أو لفظة تنبو عنها أذناك، فحذار أن تعجل بالحكم على الرجل قبل أن تتثبت من وجهها الصحيح، فليس هذا ذنبه، وليس من العدل أن يؤخذ بتبعته، وإنما إثم ذلك عائد إلى تسرعنا في الحكم أو قلة محصولنا اللغوي، أو عدم إلمامنا بقسط كاف من تاريخ الأمم العربية والأمم الأخرى التي أثرت في تاريخها، وفي أدبها معا، أو قصورنا في درس جغرافية تلك البلاد. •••