تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم تسمعوا قصة القاضي الذي أهانه ابن مليكه وهو في منصة القضاء؛ فزج به في السجن؛ فلما علم الملك بذلك فرح أشد الفرح وقال: «الحمد لله الذي جعل في بلادي قضاة يقيمون العدل حتى على ولدي نفسه!» •••

هذه - أيها السادة - أمثلة عملية قليلة من أمثلة كثيرة يجدر بمن يتصدون للنصح أن يتخذوها نموذجا لهم؛ ليكونوا جديرين بوعظ الناس وإرشادهم، فإن الناس يستفيدون من النموذج العالي أكثر مما يستفيدون من الحكم والمواعيظ الخطابية.

وفي قدرة كل منكم أن يكون مثلا أعلى لأبنائه، وأفراد أسرته، وعشيرته، وجيرانه؛ ليقلدوكم في ذلك. •••

وأنا أضرب لكم مثلا يبين لكم فائدة هذه النماذج الصالحة: وجدت أبي - وأنا طفل - لا يكاد يترك الكتاب من يده، فأحببت أن أكون مثله وقلدته في ذلك حتى أصبح ذلك دأبي إلى الآن، وانقلب التطبع طبعا أصيلا، ووجدته يصل الرحم فقلدته في ذلك، ولو رأيته - على عكس هذه الصفات - لقلدته فيها كذلك، وما أصدق قول القائل:

مشى السرطان يوما باعوجاج

فقلد شكل مشيته بنوه

فقال: علام تنحرفون؟ قالوا:

بدأت به فنحن مقلدوه

فخالف سيرك المعوج واعدل

فإنا - إن عدلت - معدلوه

أما تدري أبانا كل فرع

يجاري بالخطى من أدبوه

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ما كان عوده أبوه!

فما أجدر وعاظنا ومرشدينا أن يعنوا بهذه الحقيقة، فلا يكتفي الواحد منهم بسرد تلك الألفاظ الميتة التي ألفوا ترديدها في خطبهم، مقتصرا على تلاوة عبارات مرصوفة محفوظة واصطلاحات عتيقة بالية لا تعبر عن نفسه؛ فإن من يسلك هذه الطريق مسيء لا محسن، ورب داع إلى الفضيلة هو - على الحقيقة - أشد خطرا عليها من ألف داع إلى الرذيلة. •••

وأنا أختم هذه المحاضرة بالقصيدة التالية التي تلخص لكم أثر الوعظ الكاذب في النفوس - وقد ترجمتها عن الفرنسية - وأظنها تعبر عن ذلك المعنى أدق تعبير.

| الباز واللقلق

قنص الباز قنبره

وعلا البشر منظره

فانبرى لقلق له

ورمى الباز بالشره

قال: أطلق سراحها

تأت برا ومأثره

صوتها ساحر فلا

تحرم الناس مصدره

ضعفها ظاهر وفي

ك صيال ومقدره

فاحبها نعمة الحيا

ة جميلا فتشكره •••

هزئ الباز قائلا:

سيدي! ألف معذره

غير أني تريبني

فعلة منك منكره

ضفدع بين مخلبي

ك تزجيه كالكره

ضعفه ظاهر، وفي

ك صيال ومقدره

فاحبه نعمة الحيا

ة جميلا فيشكره

إن للخير إن أرد

ت طريقا ميسره

فافعل الخير بادئا

ثم لمني على الشره •••

كم خطيب على المكا

رم قد حث معشره

إن رأى ناكبا عن الخي

ر لحاه وعيره

هنوات الورى يرا

ها ذنوبا مكبره

ثم يلفي ذنوبه

هنوات مصغره

مثل هذا منافق

جعل النصح متجره

نصحه كله خدا

ع وغش وثرثره!

| ابن الرومي1

كيف أغفله صاحب الأغاني

لو نطق الدهر هجا أهله

كأنه الرومي أو دعبل

أبو العلاء

ألف أبو الفرج كتابه الأغاني لغرض خاص هو إثبات المائة الصوت التي اختارها المرشد، ثم جره ذلك إلى الاستطراد، فذكر من الطرف والبدائع شيئا كثيرا حتى أصبح كتابه كنزا من كنوز الأدب العربي لا مثيل له.

فإذا أغفل أبو الفرج التنويه بشاعر فحل كابن الرومي، فهل نجد من يحتج له بهذا العذر، وأية دهشة تتملكنا، بل أية حيرة تملأ نفوسنا حين نجيل البصر في هذه المجلدات الضخمة التي تؤلف دائرة معارف أدبية نادرة، فنرى مؤلفها الذي أغفل ابن الرومي قد استطرد أكثر من ألف مرة إلى ذكر من يستحق الذكر ومن لا يستحقه والتنويه بشعراء - إن أجللناهم مرة - نزهنا ابن الرومي عن أن يوضع معهم في ميزان أو يقاس إليهم بمقياس، ورأيناهم - إلى جانبه - أقزاما أمام عملاق!

فإذا زعم زاعم أن شعر ابن الرومي لم يغن به، قلنا له: هذه «مسألة فيها نظر» وليس لدينا الآن ما ندحض به زعمه، فإن أخبار ابن الرومي لم يصلنا منها شيء يذكر، وقد أجمع المؤرخون - أو كادوا يجمعون - على إغفال هذا الشاعر العظيم كما تعمد أبو الفرج أن يغفل ذكره إغفالا يكاد يكون تاما، في حين أنه ملأ الدنيا بأخبار البحتري الذي كان يعاصر ابن الرومي، وأخبار أبي تمام أستاذ البحتري وكثير من معاصريهما، وغيرهم من المشهورين كأبي نواس ودعبل ... إلخ، وقد عني أبو الفرج - في غير كتابه الأغاني - بدواوين من يحبهم من الشعراء؛ فجمع ديواني أبي تمام والبحتري، ورتب ديوان كل منهما على الأنواع - لا على الحروف - كما عني بجمع ديوان أبي نواس!

الوعظ القصصي · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٧