قلنا إن العقيدة الدينية تمكنت من نفوس المسلمين في إسبانيا، وإن الفقهاء تعهدوا غراسها وإنمائها وفق ما يشتهون، وإنهم أولوا النصوص الدينية والآي القرآنية على حسب رغباتهم، فماذا نشأ عن ذلك؟ نشأ عن ذلك أن الجمهور - فيما بعد - وقف عقبة كأداء في سبيل كل من حاول البحث بحرية فكر، فكان لا يتردد في رجم كل من سمع عنه الاشتغال بعلوم الفلسفة متى رأى ما ينكره عليه، بل لقد وصل نفوذ الفقهاء وسيطرة العامة إلى حد أن كان الملك إذا حاول استرضاء الرعية تقدم إلى واحد من مشهوري الفقهاء وفوض إليه الأمر في حرق كل ما يراه في مكتبته منها، يفعل ذلك بعد أن يكون قد احتاط ووضع أهمها في مكان لا يهتدي إليه الفقيه، وكان الجمهور يحارب الآراء الحرة من غير أن يفهم شيئا عن حقيقتها، وآية ذلك أنه كان يخلط الفلسفة بالتنجيم، فكان يطلق على كل من حاول البحث بحرية فكر، اسم المشتغل بالفلسفة والتنجيم، وكان الفقهاء يحاربون الآراء الحرة والمذاهب الفلسفية لأسباب عديدة، قد يكون أهمها أن أغلبهم كان يخشى على نفوذه إذا انطلقت الأفكار من عقالها وتحررت العقول من ربقة التقليد، وإذ كانوا قد استمدوا ذلك النفوذ العظيم من سيطرتهم الدينية؛ فقد أيقنوا أن سلطانهم الديني باق على الجمهور ما دام جاهلا، وعرفوا أنه إذا استنار أدرك ما في أقوالهم من التناقض والإغراق، وفي ذلك القضاء على نفوذهم، وكأنهم كانوا يرون رأي أبي العلاء في قوله:
الدين متجر ميت فلذاك لا
تلقاه في الأحياء إلا كاسدا
وقد يكون الدافع شيئا آخر؛ هو جمود بعضهم على فكرة واحدة، وعدم قدرته على التمشي مع الآراء الحرة لقصر مداركه، كما أنه قد يكون ناشئا عن سوء نية الكثيرين منهم وأنانيتهم وجنونهم بالسيطرة، لكننا مع ذلك جديرون أن لا ننسى أن بعضهم يفعل ذلك عن إخلاص محض؛ لاعتقاده أن انتشار الفلسفة وحرية الفكر بين الجماهير أكبر باعث على السير بهم في طريق الإلحاد والزندقة وزلزلة العقيدة، فكان لذلك يعتقد أن التضييق على الآراء الحرة خير معوان على بقاء الدين ثابت الدعائم، آمنا من تطرق الشك إلى نفوس عامة الناس. ومهما يكن من أمر فقد أدى ذلك التضييق إلى عكس الغرض الأساسي منه، فقد حبب الفلسفة إلى نفوس الكثيرين، وزادهم هياما بها، كما كانت الحال في البلاد الشرقية. وإذا رأينا أكثر ملوك الأندلس يخشون نفوذ الفقهاء، ويتهيبون سطوتهم، ويبذلون جهدهم في نشر العلم، ويشجعون حرية الفكر سرا، لأنهم لم يجرؤوا على مخالفة إرادة الفقهاء، وإذا شكا العلماء والفلاسفة والملوك شدة بأس الفقهاء في أوائل الدولة، فقد انقلبت الحال في أواخرها تقريبا، وأصبحنا نرى في الملوك أنفسهم من هو على رأي الفقهاء المتنطعين في التضييق على الفلاسفة، وستتبينون ذلك من القطعة التالية.
5
وهي: «وقام بأمره (بأمر الملك) من بعده، ابنه علي بن يوسف بن تاشفين، وتلقب بلقب أمير المسلمين، وسمى أصحابه المرابطين، وجرى على سنن أبيه في الجهاد، وكان - إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين - أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين، واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمرا في مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولى أحدا من قضاته كان فيما يعهد إليه أن لا يقطع أمرا ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء؛ فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغا عظيما لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس. ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامهم - صغيرها وكبيرها - موقوفة عليهم طول مدته؛ فعظم أمر الفقهاء - كما ذكرنا - وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم، واتسعت مكاسبهم، وفي ذلك يقول أبو جعفر المعروف بالبني الأندلسي: