تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أحد معاصري محمد

21

صلى الله عليه وسلم -: «كنا - إذا عثرنا على حجر جميل - عبدناه، فإذا عز علينا أن نجده أنشأناه من الرمل إنشاء، ثم سقيناه لبن ناقة درور مدة من الزمن، ومتى تم لنا ذلك عبدناه، ثم لا نزال نفعل ذلك ما دمنا في ذلك المكان!» •••

ولكن هناك طائفة كبيرة من الناس كانت - على العكس من ذلك - على جانب عظيم من الرقي والحضارة، فلم يكن عندهم عقيدة في أرباب هي من صنع أيديهم من الحجارة أو الخشب!

ولقد كان الناس - في ظاهر أمرهم - يمجدون تلك الأرباب ويحجون إلى محرابها، ويحتفون بمواسمها السنوية، ويذبحون القرابين في هياكلها، ويريقون دماءها على تلك الآلهة التي يعبدونها؛ سواء أكانت من الحجر أم من الخشب، بل لقد كانوا يلجأون إليها كلما حزبهم أمر؛ ليلتمسوا منها البركات، ويتكشفوا بوساطتها مستقبل أمرهم الغامض.

على أن عقيدتهم فيها لم تزد على هذا القدر من المظاهر، أما فيما عدا ذلك فقد كانوا لا يترددون في تحطيم آلهتهم إذا لم تتحقق نبوءتها، أو إذا جرؤت على إذاعة شيء يكرهونه، ويخشون إذاعته مما اقترفوه من الدنايا.

وقد تنزل بأحدهم كارثة فينذر لأحد الأصنام أن يذبح نعجة قربانا له إذا تكشفت غمته، فلا يكاد يزول عنه الخطر

22

حتى يستبدل النعجة - وهي قيمة عنده - بغزال لا يكلفه ثمنه أكثر من أن يصطاده بيده، يفعل ذلك وهو معتقد أن ذلك المعبود لا يكاد يفرق بين النعجة والغزال!

23

أضف إلى ذلك أن نبوءات الآلهة لم يكن لها خطر عندهم ما لم توافق رغباتهم وتعبر عما يقصدون إليه من التفاؤل بما هم قادمون عليه من الأمور.

يؤيد ذلك أن أعرابيا اعتزم أن يثأر لأبيه ممن قتله، فأتى «ذا الخلصة»

24

وهو نصب مربع الشكل من الحجر الأبيض - ليستشيره فيما هو قادم عليه، وبدأ يقترع - على عادة العرب في ذلك - فرأى في السهم الأول أمرا بالمضي في طريقه، وفي الثاني نهيا عن ذلك، وفي الثالث أمرا بالانتظار والتريث؛ فلم ترضه هذه النتيجة وأعاد الكرة مرة بعد أخرى؛ فكانت النتيجة واحدة في المرات الثلاث، وثم غضب وألقى بالسهام في وجه الصنم وقال له: «مصصت بظر أمك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني!».

25

كذلك كانوا يغضبون لأتفه الأسباب، وكلما تعارضت أوامرها مع رغباتهم، ولم تعبر عما يودون سماعه من الكلام، انهالوا عليها بالسباب والتحقير.

وأقبل رجل من بني ملكان

26

على «سعد» صنم قبيلته المعبود - وهو صنم في الصحراء - وكان مع الرجل إبله جاء بها ليقفها عليه يريد التبرك به، وبينما كانوا يريقون عليه دماء العثائر

27 - حسب عادتهم - نفرت الإبل وولت هاربة، فغضب صاحبها وتناول حجرا فرمى به وقال: «لا بارك الله فيك إلها أنفرت علي إبلي.»، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه وهو يقول:

أتينا إلى «سعد» ليجمع شملنا

فشتتنا «سعد» فلا نحن من «سعد»

وهل «سعد» إلا صخرة بتنوفة

من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد!

وكان بنو حنيفة أنفسهم أقل الناس احتراما لآلهتهم؛ إذ كانوا يأكلونها! ونحن جديرون أن نقرر عذرهم في ذلك؛ فقد كانوا يصنعون آلهتهم من نوع - بعينه - من العجوة، ومن اللبن والزبد؛ فلما وقعوا في قحط ومجاعة أكلوها. •••

ومن هنا يتضح أن العرب لم تكن تعتقد في تلك الأرباب اعتقادا جديا؛ فقد كان أكبر شيء يحترمونه هو الله تعالى، علي أن الله لم يكن له عندهم أيضا عقيدة قوية راسخة في قرارة نفوسهم؛ لأنهم كانوا لا يعرفون عنه شيئا كثيرا، إذ لم يكن له كهان يدعون الناس إليه، ويرغبونهم في عبادته وطاعته، ويذيعون إرادته ويوضحون لهم ما قدره من خير وشر. (8) عقيدة البعث

ولم يكن الناس على عقيدة واحدة، بل كانوا شديدي الاختلاف؛ فمنهم من كان يؤمن بحياة ثانية بعد هذه الحياة ويدين باليوم الآخر، ولا يقف عند حد الاعتقاد في بعث الإنسان، بل يدين ببعث الحيوان أيضا، ومن ثم كان يدفن راحلته إلى جانبه أو يتركها تموت على قبره، ليركبها يوم القيامة، فلا يتكبد عناء السير على قدميه.

الوعظ القصصي · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوعظ القصصيص ٢٩