تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شعرت أني بحاجة إليك؟!. تركت القلم والكأس، وعادت إلى فنجانها المقلوب تبحر إلى ذكرياتها، اشتد البرد، أغلقت النافذة، وضعت على كتفيها شالاً صوفياً، وتابعت الكتابة: ها أنا يحاصرني صقيع الغربة، تقلقني أحلام مزعجة، حاولت أن أكتبها... ربما أستريح "كما تعلم البوح يريح الأعصاب" أشعر أني وحيدة تطاردني الريح، كأني أسمع صفيرها الحاد يطن في أذني، وأنا عارية تحت وابل من المطر الغزير... أركض بلا اتجاه أفتش عن بوابات مغلقة، وعن بيوت مهجورة، ينتفض جسدي من الخوف كفرخ حمام راح يرقص ألماً، والسكين تحزّ عنقه!! حاولت أن أرى الأشياء حولي، لم أتمكن السواد يلف الأمكنة... والصمت مطبق يخترقه صفير الريح تضرب بالأبواب الخشبية المحطمة، في تلك الليلة الظلماء الخارجة من حمى الذاكرة... شعرت بيد خفية تولد من السواد... تمتد إلى رأسي... راحت تقص خصلات شعري رأيتها تحلق مع الريح وهج البرق! ثم رأيت اليد تخرج من بين أصابعها مشرطاً يشبه مشرط طبيب الجراحة... وراحت تحز بجلدة رأسي... حاولت أن أصرخ تاه صوتي... تحجر لساني... وأطبقت شفتاي كأنهما التصقتا بسائل لزج! شعرت أن حنجرتي تكاد تنفجر، وتلك اليد ذات الأصابع الغليظة ما زالت تعبث في خلايا دماغي... أتلفت خلايا ذاكرتي... ثم خلايا النطق... والرؤيا، كنت أسمع ضجيج الرعد، وجلجلة البرق ولا أرى شيئاً! جمعت بقايا قوتي، حاولت أن أفلت من بين تلك الأصابع الطويلة، تعلّقت "مخالبها" بجلدي صرخت من شدة الألم... وعندما قفزت بالهواء... تخلصت شفتاي من المادة اللاصقة... خرج الصوت قوياً... وجسدي يتلوى من شدة الوجع على بلاط الغرفة، تصور ضحكت ثم بكيت طويلاً... الغربة موت من نوع آخر! حاولت أن أنهض لم أستطع... زحفت باتجاه الطاولة، كانت الكأس محطمة... والزجاجة فارغة، وفنجان القهوة بارداً، والقلم والأوراق بللهما المطر المتساقط عبر شقوق الباب الخشبي، تناولت كتاباً، قلبت أوراقه إلى صفحة كنت قد علّمتها بقطفة حبق... قرأت:

شهية كالورد

كرائحة الأوطان على ثياب المسافرين

وأنا أسرح شعري كل صباح

وأهرع كالعاشق في موعده الأول.

الانتظار.

الانتظار... الثورة التي تيبست

قدماي بانتظارها؟.

جمرات الشوق · الصفحة ٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جمرات الشوقص ٧٠