خلفها قوافل جمال ودواب تنوء بحملها, تمور, توابل , عطور حرير , يحرسها عبيد مسلحون بالعصي يسوقون أمامهم الوراقين وحفظة الشعر إلى بلاط الولاة, سقط على الأرض . لم يدر كم من الوقت مرّ عليه مشلوحاً على بلاط الغرفة, أخرج منديلاً , مسح عرق جبهته. يا إلهي ماذا أصابني ؟! حدق أمامه, رف خشبي ينحني تحت ثقل مجلدات يعلوها الغبار , أتاه الصوت من جديد , حاول أن ينهض . خانته قوته. ظلّ ممدداً على الأرض, يُحكى أن الوراقين اجتمعوا في كوخ بعيد عن المدينة تحيط به غابة وصخور وأنهار وسواقٍ تختفي فيها وحوش مدربة وكتائب من العسس تبرق نصال سيوفهم وزعت الأوامر على الكتبة... يُحكي أن خلافاً حاداً وقع بين الولاة والعامة , وأن كل من يخالف الولاة يُلقى تحت جنح الليل في وادي الوحوش, فلا يسمع إلا صدى صوته ثم استغاثته , ينظر الكتبة إلى وجوه بعضهم ويتابعون كتابة التاريخ بماء الذهب!! أتاه الصوت من جديد , احذر لم يصغ للصوت, اقترب من الصور المعلقة جمعها فوق بعضها, أشعل النار فيها, لم يعد يشعر بالبرد , الصوت ثانية احذر . شلت يمينك أيها المستهتر , تابع بلا تردد يريد أن يتخلص من كل شيء خوفاً من اتهامه بمسميات" عالمية" جاءه الصوت احذر ثالثة قدماك فوق الجمر, يا إلهي : خرج من المجلد الأول ما يشبه الصنم, ارتجف الرجل, ارتعدت ساقاه . مد يده إلى كأس الماء. تناوله دفعة واحدة, شفتاه تشتعلان بكلام لم يقله, عيناه تلوبان بكل اتجاه قرر أن يتخلص من هذه المجلدات , راح يلقيها في النار واحداً , واحداً, لا يريد أي شيء يشدّه للماضي جاءه الصوت : اقرأ ما بين / اللات وهبل/ تختبئ لعنة التاريخ. يندلق سواد حبر الوراقين فوق الحقيقة, تنبت شوكاً , أقلاماً وقوافل تنبت من رحم الصحراء لا تشبه الجمال, لها عجلات من حديد يقودها رجال يرتدون ملابس غريبة... ملامحهم لا تشبه أهل البادية.. عيونهم زرقاء.. لا نفهم لغتهم راحوا يتسللون إلى المنطقة اللزجة من الدماغ يتلفون خلايا الذاكرة, سقطت لفافة التبغ من يده رائحة حريق ... دخان ينطلق كسحابة سوداء عبر النافذة , تجمع عدد كبير من الناس تحت النافذة سيارات كبيرة تطلق صفيراً حاداً يحذر الناس من الاقتراب , ثمة امرأة تركض عارية القدمين , اخترقت الحصار, حذرها مسؤول الإطفاء , لم تعره انتباهها , اندفعت بجسدها حطمت الباب, صرخت يا إلهي! كان لم يزل واقفاً يحترق بصمت, وعيناه تلوبان بكل اتجاه, لم تعد تدري أتضحك أم
جمرات الشوق · الصفحة ١٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
جمرات الشوقص ١٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي