المؤلف ذو استقراء عجيب مذهل، فهو مثلاً يقطع في مواضع غير قليلة بنفي ورود لفظة بعينها أو صيغة بعينها، أو تركيب بعينه في كتب اللغويين، أو في كلام الفصحاء؛ فمن أمثلة ما يدل على ذلك قوله (ص76) وهو يبرهن على صحة قولهم (أثّر فيه) وخطأ قول القائل (أثّر عليه):
(ولم أجد استعمال (أثر عليه) على كثرة مطالعتي لكتب الأدب والتاريخ إلا في شعر الأعسر بن مهارش الكلابي، وكان معاصراً لسيف الدولة الحمداني)، ثم نقل بيتاً له من (بغية الطلب في تاريخ حلب) لابن العديم (من نسخة دار الكتب الوطنية بباريس).
ثم قال:
(وقد اضطرته ضرورة الوزن أن يضع (على) موضع (في)، ويجوز للشاعر ما لا يجوز للناثر، كما هو متعالَم).
ومن أمثلته أيضاً قوله (ص83) وهو يبين خطأ استعمال الاشتراك بمعنى المشاركة:
(ويؤيد ذلك أن الفصحاء منذ وجدت العربية، إلى اليوم، لم يقل أحد منهم: (فلان متشارك، ولا مشترك)، بل قالوا: (هو شريك ومشارك)، ولا قال أحد: (هو متعاون)، بل: (معاون)، ولا قال أحد: (هو متقاتل)، بل قالوا: (مقاتل)، إلا المتآمر، فإن من [لعلها بعض] الذين لا يعلمون من العربية شيئاً جليلاً قالوا: (فلان متآمر)، والصواب (مؤامر)، كمشارك ومقاتل ومحاسب، ومباري ومسابق [وردت هاتان اللفظتان في الأصل معرفتين، فآثرت تنكيرهما]؛ وقد تكلمنا عليه [يعني استعمال متآمر بدل مؤامر] في موضعه).
****
ذكر المؤلف في أثناء استطراده في تقرير اختياراته وتقوية استدراكاته جملة نفيسة جداً من أسرار العربية، ومن أصول وأسباب قبول الألفاظ والتعابير الجديدة ومن أصول وعلل ردها؛ ولقد شرعت بجمعها، وأرجو أن ييسر الله لي إتمامها من أجل نشرها هنا بإذن الله وتوفيقه.
****