الصفة الثانية: والتى تحتل العصب الحقيقى للسياسة الأمريكية هى الاضطراب وعدم وضوح الرؤية. ماذا تريد الولايات المتحدة حقيقة من منطقة الشرق الأوسط؟ إنها تريد الكثير الذى لا ينتهى، فإذا بها لا تدرى ذلك الذى تريده حقيقة، هل تريد صداقة شعوب المنطقة، التى هى السند الحقيقى لأى سياسة مساندة؟ إذن فلماذا تأبى إلا التلاعب بمصالح المنطقة؟ بل تُفصِحْ الوثائق التى نشرها العالم الفرنسى "جوليان " على أن سياسة الولايات المتحدة بهذا المعنى قديمة، فمنذ الحرب العالمية الثانية وتعليماتها إلى الشركات البترولية واضحة، وهى عدم توظيف عوائدها النفطية فى المنطقة، وذلك رغم أن احتمالات الكسب فى ذلك الميدان لا حدود لها، كل دولار يوظف فى المنطقة العربية يستعيد نفسه خلال فترة لا تتجاوز العامين، بينما هو فى حاجة إلى خمسة عشر عاما فى غرب أوروبا، ومع ذلك فتعليمات وزارة الخارجية كانت صريحة: على الشركات البترولية أن توجه عائداتها البترولية لتوطف فى اقتصاد غرب أوروبا، وليس لأن توظف محلياً فى المنطقة العربية، لما ذا؟
وكيف أن الولايات المتحدة حتى قبل أن تتلاحم استراتيجياً مع إسرائيل فى أعقاب حرب عام 1967 تقف من التطور الوحدوى فى المنطقة موقف العداوة وخلافا أيضاً للسياسة البريطانية التى تبنت فى لحظة معينة إنشاء جامعة الدول العربية؟ بل ورغم أن هذا أيضاً ليس فى صالح الشركات الكبرى المتعددة الجنسية، لأن هذه فى حاجة إلى السوق الواسع ولو نسبياً وليس إلى الأسواق العربية التى لن تحقق لها أى مصالح تجارية حقيقية ؟ ويبدو هذا الاضطراب واضحاً عندما نقارن بين سياسة الولايات المتحدة فى كل من اليابان وأوروبا الغربية من جانب، وفى منطقة الشرق الأوسط من جانب آخر.