ثمَّ لمَّا أكْمَلَالمصلي هذه العبودية ، وانتهتْحركاته ، خُتِمَتْ بالجلوسِ بين يديالرَّبِّ تعالى جلوسَ تذلُلٍوانكسارٍ وخضوعٍ لعظمته ، كمايجْلِسُ العبدُ الذليلُ بينَ يديسيِّدهِ ، وكانَ جلوسُ الصلاةِ أخشعَما يكونُ من الجلوسِ وأعظَمَهُخضوعاً وتذللاً ، فأذنَ للعبدِ فيهذه الحالِ بالثناءِ على الله تباركوتعالى بأبلغ أنواع الثناءِ وهو :التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ ،وعادتهمْ إذا دخلوا على ملوكهمْ أنْيحيّوهم بما يليقُ بهمْ ، وتلكَالتحية تعظيمٌ لهمْ وثناءٌ عليهم ،فبعضهمْ يقولُ : أنعمْ صباحاً ،وبعضُهم يقول : لك البقاءُ والنعمةُ ،وبعضهم يقول : أطالَ اللهُ بقاءكَ ،وبعضهم يقولُ : تعيشُ ألفَ عامٍ ،وبعضُهم يسجدُ للملوكِ ، وبعضُهميسلِّم ، فتحياتُهم بينهم تتضمنُ مايحبّه المحيَّى من الأقوالِوالأفعالِ ، والمشركون يحيَّونأصنامهم .
قال الحسن : كان أهلُ الجاهليةيتمسحون بأصنامهم ، ويقولون : لكِالحياةُ الدائمةُ ، فلمّا جاءَالإسلامُ ، أمروا أن يجعلوا تلكالتحيات وأزكاها وأفضلها لله .
فالتحية هي : تحية مِن العبدِ للحيِّالذي لا يموت ، والله أحقُّ بالتعظيموالثناء من كلِّ أحدٍ من خلقه ، وهوسبحانه أولى بتلك التحياتِ من كلِّما سواه ، فإنّها تتضمنُ الحياةَوالبقاءَ والدوامَ ، ولا يستحقُ أحدٌهذه التحيات إلا الحيّ الباقي ، الذيلا يموتُ ولا يزولُ ملكُه .
وكذلك قوله :(والصّلوات) فإنّه لا يستحقُأحدٌ الصّلاة إلا الله ، والصلاةلغيره من أعظم الكفرِ والشركِ به .