ولماكانَتِ العبوديَّةُ غايةَ كمالِالإنسان ، وقُرْبُهُ مِنَ اللهِ بحسبنصيبه من عبودِيَّتِهِ ، وكانَتِالصلاةُ جامعةً لمتفَرِّقِالعبوديَّة ، متضمِّنةً لأقسامِها ،كانتْ أفضَلَ أعمال العبْد ،ومَنزِلَتُها من الإسْلامِبِمَنْزِلَةِ عمودِ الفسطاطِ منه ،وكانَ السُّجودُ أفْضَلَ أركانهاالفِعْليَّة ، وسِرَّها الذيشُرِعَتْ لأجْلِهِ ، وكان تكرُّره فيالصَّلاةِ أكثر من تكرُّر سائرالأرْكان ، وجَعَلَهُ خاتِمَةالركْعَةِ وغايتها ، وَشُرِعَفعلُهُ بعد الرُّكوعِ ، فإنَّالرُّكوعَ تَوْطِئَةٌ له ومقدِّمَةٌبين يَدَيْهِ ، وشرعَ فيه منالثَّناء على اللهِ ما يناسِبُه ،وهو قولُ العبد : " سُبْحانَرَبِّيَ الأَعْلَى " . فَهَذَا أفْضَل مايُقَالُ فِيهِ ، ومن تَرَكَهُعَمْداً ، فصلاتُهُ باطِلَةٌ عنْدَكثيرٍ من العُلَماء ، منْهم الإمامأحمد وغيرُهُ ، لأنَّهُ لم يفْعَل ماأُمِرَ به ؛ وكانَ وصفُ الرَّبِّبالعُلُوِّ في هذه الحال في غايَةِالمُناسَبَةِ لحاِل السَّاجِدِ ،الذي قد انحطَّ إلى السّفْل علىوجْهِهِ ، فذكر علوَّ رَبِّهِ فيحالِ سفوله هو ، ونزهه عن مثل هذهالحال ، وأنّ مَنْ هو فوق كلّ شيء ،وعالٍ على كلّ شيء ، ينزّه عن السفولبكل معنى ، بل هو الأعلى بكل معنى منمعاني العلو . وهو كما ذكر عظمته فيحالِ خضوعِهِ في ركوعِهِ ، ونزَّهَربَّهُ عما لا يليقُ به ، مما يضادعظمتَه وعلوّه . ثمّ شرع له أن يرفعرأسه ويعتدل جالساً ، ولما كان هذاالاعتدال محفوفاً بسجودين ، سجودقبله وسجود بعده ، فينتقل من السجودإليه ثمّ منه إلى السجود الآخركان لهشأن ، فكان رسول الله (يطيله بقدرالسجود يتضرع فيه إلى ربه ، ويستغفرهويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته) 13وله ذوق خاص ، وحالللقلب غير ذوق السجود وحاله ، فالعبدفي هذا القعود قد تمثَّلَ جاثياً بينيدي ربّه ملقياً نفسه بين يديه ،معتذراً إليه مما جناه ، راغباً إليهأن يغفر له ويرحمه .
جعلت قرة عيني في الصلاة .. · الصفحة ٢٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
جعلت قرة عيني في الصلاة ..ص ٢٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي