فإذا قال : (مَالِكِ يَوْمِالدِّينِ)[ الفاتحة : 4 ] فهنا شَهِدَ المجدَالذي لا يليقُ بسوى المَلِكِ الحقِّالمُبين ، فيشْهَدُ مَلِكاً قاهراً ،قد دانَتْ له الخليقة ، وعَنتْ لهالوجوهُ ، وذَلَّتْ لعظَمَتِهِالجبابرة ، وخَضَع لعزَّتِهِ كلُّعزيز ، فيشْهَدُ بقَلْبِهِ مَلِكَاًعلى عَرْشِ السَّماء مُهَيْمِناً ،لعزَّتِه تعنو الوجوه وتَسْجُدُ ،حيّاً ، قَيّوماً سَمِيعاً بصيراًمدبِّراً قادِراً مُتَكَلِّماًآمِراً ناهِياً ، مسْتَوِياً علىسَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ ، يرسلُ إلىأقاصِي مَمْلكَتِهِ بأوامِرِهِ ،فيرضى على من يستحق لرِّضَا ،ويثيبُهُ ويكْرِمُهُ ويُدْنِيه ،ويغضبُ على مَنْ يستحقّ الغَضَبَ ،ويعاقِبُهُ ويُهِينُهُ ويقْصِيه ؛فيعذِّبُ من يشاءُ ، ويَرحَمُ منيشاءُ ، ويُعْطِي من يَشاءُ ،ويقرِّبُ من يشاء ، ويُقْصِي منيشاءُ ، لَهُ دارُ عَذاب ، وهيالناَّر ؛ وله دارُ سعادةٍ عظيمةٍ ،وهي الجنة ؛ فيشهدُ المصلِّي مجْدَالرَّبِّ تعالى في قولِهِ :(مَالِكِيَوْمِ الدِّينِ ) [ الفاتحة : 4 ] .
فإذاقَالَ : (إِيَّاكَ نَعْبُدُوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [ الفاتحة : 5 ] انتظرجواب ربه له " هذا بيني وبينعبدي ولعبدي ما سأل " ، وتأمَّل عبوديةهاتين الكلمتين : ففيها سِرُّالخَلْقِ والأمْر ، والدُّنياوالآخرة ، وهي متضمِّنةٌ لأجلِّالغاياتِ وأفْضَلِ الوسائل ؛فأجَلُّ الغاَياتِ عبوديتُهُ ،وأفْضَلُ الوسائِل إعانَتُهُ ، فلامعبودَ يستحقُّ العبادَة إلاّ هو ،ولا مُعينَ على عبادَتِهِ غيرُه ؛فعبادَتُه أعلى الغايات ، وإعانَتُهأجلُّ الوسائل وأفضل المواهب .