وفي سنة 1242 / 1826 أوفدت أول بعثة كبيرة إلى فرنسا، وهنا أيضا طلب محمد علي إلى العطار «أن ينتخب من علماء الأزهر إماما للبعثة، يرى فيه الأهلية واللياقة، فاختار الشيخ رفاعة لتلك الوظيفة.»
111
سافر رفاعة ليكون إماما للبعثة لا طالبا من طلابها، ولكنه هو التلميذ الأثير لأستاذ مجدد صاحب مدرسة تفكيرية جديدة قد استمع إلى كثير من أحاديث شيخه وقرأ معه كتبا في علوم لم يدرسها في الأزهر، ولا بد أن هذه الأحاديث في معظمها كانت تدور حول ما شاهد الأستاذ الشيخ في رحلاته خارج مصر، وما شاهد في مجمع الفرنسيين في مصر، وهذه هي الفرصة قد واتته أن يذهب لبلاد هؤلاء الذين سمع عن علمهم ونهضتهم الشيء الكثير، ترى هل يترك هذه الفرصة تضيع دون أن يستغلها فيتزود من فرنسا بعلوم فرنسا؟ إنه لو ذهب وقنع أن يقوم بواجبه الديني فيؤم المبعوثين في الصلاة ويعظهم في أمور دينهم، ثم يرجع معهم وقت يرجعون، لما لامه إنسان، ولكن رفاعة كان ذا نفس طموحة، وآمال عريضة، وحب للعلم، وشغف بالبحث، فأعد العدة بينه وبين نفسه أن يقبل على التحصيل منذ يغادر أرض مصر، حتى يعود إلى وطنه خيرا مما غادره، وقد بر بوعده لنفسه، فحصل في فرنسا الكثير، وكان أنبغ أعضاء بعثته، ثم كان زعيم النهضة العلمية في عصر محمد علي، وقائدها بعد عودته، وهكذا «أراد الله أن يكون الإمام في الصلاة إماما للحركة العلمية في مصر.»
112
وذهب التلميذ الفتى للأستاذ الشيخ يودعه ويشكره، ويسأله النصيحة، فدعا له الشيخ وباركه وزوده بما يزود به الأستاذ المستنير تلميذه النابغ، وطلب إليه قبل أن يغادره أن يعنى منذ اللحظة الأولى بتقييد مشاهداته في رحلته هذه؛ فالشيخ كما يقول تلميذه «مولع بسماع عجائب الأخبار، والاطلاع على غرائب الآثار».
113
وفي يوم الخميس من شهر رمضان
114
سنة 1942 / 14 أبريل 1826 أبحرت السفينة من الإسكندرية تحمل رفاعة وزملاءه، وفي التاسع من شهر شوال وصلت بهم إلى «مارسيليا»، ومنذ وطئت قدما رفاعة أرض هذه المدينة، بدأ يتعلم اللغة الفرنسية، يقول في رحلته: «وتعلمنا في نحو ثلاثين يوما التهجي.»
115
وفي باريس قضى تلاميذ البعثة جميعا نحو سنة وهم يقيمون معا في بيت واحد، ويشتركون معا في دراسة مواد واحدة، يقول رفاعة: «كنا نقرأ في الصباح كتاب تاريخ ساعتين، ثم بعد الظهر درس رسم، ثم درس نحو فرنساوي، وفي كل جمعة ثلاثة دروس من علمي الحساب والهندسة.»
116
وكانت هذه الخطة ترمي إلى عزل تلاميذ البعثة، حتى لا يفسدهم الاختلاط، أو الحياة في باريس، وحتى يستطيعوا التوفر على دراساتهم ليحصلوا العلوم التي يريدون على أحسن وجه، وفي أسرع وقت، ولكن هذه العلوم التي أوفدوا لدراستها مودعة في بطون المؤلفات الفرنسية، ولا سبيل إليها إلا إتقان هذه اللغة حديثا وقراءة وفهما، ولا سبيل إلى هذا الإتقان إلا أن يختلط هؤلاء الشبان بأندادهم من الفرنسيين حتى تستقيم ألسنتهم.
أحس بهذا النقص المشرفون على البعثة، كما أحس به أعضاء البعثة أنفسهم، يقول رفاعة: «مكثنا جميعا في بيت واحد دون سنة نقرأ معا في اللغة الفرنسية، وفي هذه الفنون المتقدمة، ولكن لم يحصل لنا عظيم مزية إلا مجرد تعلم النحو الفرنساوي.»
117
لهذا صدرت الأوامر بتوزيع هؤلاء المبعوثين، فتفرقوا في مكاتب متعددة، كل اثنين، أو ثلاثة، أو واحد في مكتب مع أولاد الفرنساوية، أو في بيت مخصوص، عند معلم مخصوص، بقدر معلوم من الدراهم في نظير الأكل والشرب والسكنى والتعليم،
117
وفي هذه المكاتب أو «البانسيونات» كان التلاميذ المصريون يقضون ليلهم ونهارهم في التحصيل، ولم يكن يسمح لهم بالخروج إلا في يوم الأحد، أو بعد ظهر الخميس، أو في الأعياد الفرنسية، وكان يحدث أحيانا أن يخرج بعضهم بعد العشاء إن لم يكن يشغله درس أو واجب.