12
ثم ألف كتاب مطالعة لتلاميذ مدرسة اللغات الشرقية عنوانه «مرج الأزهار وبستان الحوادث والأخبار»،
13
ثم نظم قصة السندباد البحري، وترجم إلى العربية بعض قصص «لافوتين»،
14
ثم بدأ أخيرا في تأليف كتابه الذي أهداه إلى «بونابرت» عن تاريخ مصر وجبل الدروز، وعنوانه «مجموع أصح العبارات، وأدق الرموز، في أرض مصر وجبل الدروز».
15
وفي سنة 1815 هزم نابليون في موقعة «واترلو» ونفي إلى جزيرة «سانت هيلانة»، ففقد رفاييل صديقه وراعيه وحاميه، وبدأ يناله ما نال معظم مؤيدي الإمبراطور السابق وأصدقائه من نقمة واضطهاد؛ فقد قررت الحكومة الجديدة تخفيض مرتبه تنفيذا لسياسة الاقتصاد العامة التي رسمها حينذاك الوزير فوبلان
Vaublane ، ولم يرض رفاييل عن هذا الوضع الجديد، فقدم استقالته في أبريل سنة 1816، وقرر العودة إلى مصر.
هذا هو - في رأي الأستاذ بشاتلي - الدافع الوحيد لرحيل رفابيل عن فرنسا، وعودته إلى مصر، ولكنني قد أرى أن هناك سببين آخرين لهما من القوة ما للسبب السابق:
أولهما:
أن هذه الفترة من سنة 1811 إلى سنة 1821 كانت فترة التمهيد للإصلاحات التي بدأها محمد علي، ولا شك أن أخبار هذه الإصلاحات كانت قد وصلت إلى فرنسا في ذلك الحين، فلعلها دفعت رفاييل - وهو في ضيقه الجديد - إلى التفكير في العودة إلى مرتع صباه، إلى البلد التي بدأ فيها مجده العلمي والسياسي في عهد الحملة الفرنسية.
وثانيهما:
أن محمد علي كان قد أرسل عثمان نور الدين - وهو أول مبعوث إلى أوروبا في سنة 1809 ليتلقى العلوم الحربية والسياسية في إيطاليا - وذلك بوساطة يوسف بكتي
16
قنصل السويد في القاهرة - وقد مكث عثمان نور الدين أربع سنوات في إيطاليا، ثم سافر إلى فرنسا ليكمل بها تعليمه، فلبث بها سنتين أخريين، فهل يبعد أن يكون رفاييل قد اتصل - وهو في باريس - بعثمان نور الدين، وعرف منه الشيء الكثير عن سياسة محمد علي الإصلاحية، وأن هذه السياسة ترمي إلى النقل عن الغرب، وأن سلاحه الأول هو الترجمة؟
عاد رفاييل إلى مصر في سنة 1816، واتصل بمحمد علي، وإن كنا نجهل من من الرجلين سعى للاتصال بصاحبه، وكان محمد علي حينذاك يمهد السبيل لنقل علوم الغرب، وكان قد أرسل بعثاته إلى إيطاليا للتخصص في فن الطباعة، وإذ كانت اللغة الإيطالية هي لغة المراسلات الدبلوماتية وأكثر اللغات الأوروبية انتشارا في مصر، فقد كلف محمد علي رفاييل أن يضع قاموسا للغتين العربية والإيطالية.
وفي سنة 1820 مر بمصر بروكي
Brocchi
الرحالة الإيطالي، وفي 5 ديسمبر سنة 1822 زار مدرسة بولاق السابق ذكرها، وروي أنه رأى بين هيئة المدرسين ثلاثة من رجال المسيحيين
17
هم دون كارلوبيلوتي
Von Carlo Bilotti
من كالابريا، والأب سكاليوتي
L’abbé Scagliotti
من بيدمنت، ودون رفاييل ويقوم بتدريس اللغة العربية.
وبعد ستة أيام - أي في 11 ديسمبر - زار «بروكي» مطبعة بولاق، وأشار إلى الكتب التي كانت تحت الطبع، وأولها «قاموس طلياني وعربي
Dizionnaire Italiano »، وقد تم طبعه في نفس السنة 1238 / 1822، وقد ذكر بيانكي في قائمته، ووافقه «برون» أن هذا القاموس هو أول كتاب طبع في مطبعة بولاق، غير أن «بروكي» قال: إن أول كتاب طبع بها كان كتابا تركيا وضع لتعليم تلاميذ المدارس الحربية القائمة في الصعيد حينذاك، ثم طبع بعد هذا الكتاب - وقبل طبع القاموس - كتابان آخران، أحدهما في الآجرومية العربية، والثاني كتاب في الفنون العسكرية ترجم عن الفرنسية إلى العربية.
17
وقد درس المستر «هيوارث دن» قائمة بيانكي دراسة طيبة في مقالة عن الترجمة والطباعة في عصر محمد علي،
18
غير أنه نسب هذه القائمة خطأ إلى دكتور برون، وقد اعتذر في مقاله عن «برون»، أي عن «بيانكي»، فقال: إنه من المحتمل أن المطبعة لم تكن في أول أمرها قد نظمت النظام الكافي، وإن الكتب الأولى التي طبعت بها قد طبعت بسرعة، فلما بدأ «برون» و«بيانكي» يعدان قائمتيهما لم تكن هناك نسخ باقية من هذه الكتب الأولى؛ ولهذا لم يشيرا إليها.