تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن لا نشارككم فيما ذهبتم إليه من ضرورة تمكن الشخص المنوط به أمر الوساطة بين الأستاذ والتلاميذ من العلم الذي يلقيه الأستاذ، ويقوم هو بنقله إلى اللغة العربية، فإنه يكفي - فيما نراه - أن يكون هذا الناقل حسن الإلمام باللغتين، ومن الكفاءة بحيث يفهم الدروس التي يفسرها الأستاذ له، ومن الميسور للأستاذ متى تم النقل على الصفة المتقدمة؛ أي بطريق الرواية عن الأستاذ، أن يراقب صحة ما ألقاه الوسيط في حضرته بتكليفه إياه أن يترجم إلى الفرنسية ما كان قد عربه عنها، ومثل هذا التمرين المضاعف ينتهي بالمترجم إلى الاطلاع بنصوص الدرس، والإحاطة بأطرافه، فيكون مما لا شك فيه أن الدرس الذي حضر على هذا المثال قد نقل نقلا دقيقا، وروعيت فيه الأمانة التامة.

6

ومهما يكن من شيء فقد أحس «كلوت بك» نفسه ما يشوب هذه الطريقة من فساد واتخذ وسائل مختلفة

7

لعلاج هذا الفساد والقضاء عليه، منها:

أولا:

بدأ يكلف هيئة المترجمين في المدرسة بترجمة الكتب الطبية إلى اللغة العربية، واشترك المترجمون في هذا العمل، وكان أول كتاب طبي ترجم في هذه المدرسة هو كتاب «القول الصريح في علم التشريح»، وهو من تأليف «بايل

Bayle » وبه زيادات للدكتور «كلوت بك»، وقد ترجمه يوحنا عنحوري، وطبع في مطبعة المدرسة بأبي زعبل سنة 1248 / 1832، وإذ كان هؤلاء المترجمون لا يتقنون اللغة العربية فقد عينت في مدرسة الطب طائفة من المحررين والمصححين من شيوخ الأزهر، وقد استطاع هؤلاء المشايخ بما لهم من معرفة بكتب الطب العربية القديمة أن يمدوا المترجمين بالمصطلحات الطبية الصحيحة، كما كان لهم فضل كبير في تقويم أسلوب الترجمة العربي وتصحيحه والبعد به - على قدر استطاعتهم وعلمهم - عما يشوبه من لكنة وعجمة وركاكة، أما المصطلحات الطبية الجديدة فقد اجتهدت الهيئتان معا في ترجمتها أو وضع مصطلحات جديدة تؤدي معناها، «ومن هؤلاء الرجال مجتمعين تكونت «أكاديمية» تكفل أمانة الترجمة وصحتها، وأصبح للطب في خمس سنين قاموس

Vocabulaire

تزيد كلماته على ستة آلاف كلمة».

8

ثانيا:

ألحق المترجمين تلاميذ بالمدرسة؛ ليتلقوا العلوم الطبية فيسهل عليهم بعد ذلك معرفة المصطلحات، وتفهم المواد التي ينقلونها عن الأساتذة للتلاميذ، والكتب التي يترجمونها، وقد أثنى كلوت بك - في تقاريره - عليهم وعلى نشاطهم ثناء جما.

ثالثا:

ورأى «كلوت بك» أيضا أن يشجع تلاميذ المدرسة على تعلم اللغة الفرنسية، فأنشأ لهم مدرسة لتعليمهم هذه اللغة، وألحقها بمدرسة الطب، «وقد عمل الشيخ رفاعة رافع في هذه المدرسة مدرسا للترجمة لعشرين تلميذا بعد عودته من فرنسا».

9

رابعا:

ومن الوسائل التي اتبعت للإقلال من عيوب طريقة الترجمة أن عهد لتلاميذ الفرق المتقدمة بتدريس بعض علوم الطب للتلاميذ المبتدئين، وأن يشرحوا لهم ما صعب عليهم فهمه.

خامسا:

اختار «كلوك بك»، بعد مضي خمس سنوات على إنشاء المدرسة، اثني عشر تلميذا من أوائل الخريجين ونوابغهم، وسعى حتى أرسلوا في أول بعثة طبية إلى فرنسا (في سنة 1832)، وسيكون لأعضاء هذه البعثة بعد عودتهم شأن خطير في التدريس بمدرسة الطب وإدارة شئونها، وفي الترجمة والتأليف؛ فقد أصدر مجلس إدارة المدرسة - بعد عودة هؤلاء المبعوثين - لائحة تعين الأعمال التي يناط بهم القيام بها، كان منها - إلى جانب اشتغالهم كمعيدين ومساعدين للأساتذة الأجانب - أن يقوموا بترجمة الكتب التي يختارها لهم أعضاء مجلس المدرسة، وأن تعرض هذه الكتب قبل ترجمتها على شورى المدارس، ثم تدفع إليهم، وبعد الفراغ من ترجمتها، ومنعا للشك في صحتها «يجب ألا يطبع كتاب ما بعد الانتهاء من ترجمته قبل أن يعرض على مترجمي المدرسة ومصححيها أجمعين».

10

الدكتور كلوت بك ناظر مدرسة الطب يحقن نفسه بميكروب الطاعون أمام تلاميذه المصريين (عن لوحة محفوظة بكلية الطب بقصر العيني بالقاهرة ).

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١٣