تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

أجل اتجه المصريون بنظرهم إلى باريس، والذي وجههم هو محمد علي.

وقد بدأت اللغة التركية بدءا طيبا لأن التنظيمات العسكرية احتفظ فيها بشيء من الروح والتعليمات، والنداءات، والرتب العثمانية؛ ولهذا ترجمت الكتب الحربية الأولى إلى اللغة التركية، فلما افتتح محمد علي المدارس الأخرى؛ كالطب والهندسة والزراعة والألسن إلخ، وكان جل تلاميذها إن لم يكن كلهم من المصريين، ولغة هؤلاء المصريين هي اللغة العربية، ومن هنا بدأت اللغة العربية نهضتها الجديدة.

حقيقة إن العصر العثماني في مصر كان يشعر في نهايته بنهضة جديدة لهذه اللغة؛ ففي هذه النهاية وضع السيد مرتضى الزبيدي قاموسه «تاج العروس» في مصر، وفي هذه النهاية عني بعض شيوخ الأزهر بالأدب - نثره وشعره - كالشيخ الشبراوي والشيخ إسماعيل الخشاب، وفي شعرهما رقة وحلاوة جديدتان لم يعرفهما شعر العصر العثماني، وفيها أيضا ظهر عالم كالشيخ العطار، ومؤرخ كالجبرتي يعنيان بغير ما كان يعنى به علماء عصرهما.

غير أن هذه جهود فردية لم تكن لتستطيع النهضة باللغة العربية كما نهضت بها حركة الترجمة، التي شملت فنونا وعلوما كثيرة مختلفة، والتي زودت المكتبة العربية بعشرات الكتب الجديدة، ونقلت إليها ألوف المصطلحات والألفاظ التي لم تكن تعرفها.

وهناك أمر آخر له أهميته؛ ذلك أن حركة الترجمة تبعتها عناية كبيرة بالقواميس في مختلف اللغات الشرقية والغربية، فترجمت إلى اللغة العربية قواميس إيطالية وفرنسية وفارسية وتركية، وهذه محاولة قيمة جدا لها أهميتها وخطرها في تعريب العلوم الأوروبية الحديثة وتسهيل الصعاب أمام القائمين بالترجمة، وتزويد اللغة بثروة عظيمة من الألفاظ والمصطلحات.

وحركة القواميس الأجنبية استدعت العناية بالقواميس العربية القديمة، ففي عصر محمد علي بدأ التفكير في طبع القاموس المحيط، وفي سبيل طبعه روجع مراجعة دقيقة على نسخ مخطوطة كثيرة، وعلى النسخة التي طبعت قبل هذا العصر في كلكتا، وفي هذا العصر أيضا، وفي القاهرة، ترجم مستر «لين» هذا القاموس إلى اللغة الإنجليزية، ولكنه في سبيل أن تخرج ترجمته صحيحة مضبوطة اضطر إلى مراجعة كثير من القواميس والمعاجم العربية القديمة؛ كالجمهرة لابن دريد، والتهذيب للأزهري، والصحاح للجوهري والمحكم لابن سيده، والأساس للزمخشري، ولسان العرب لابن منظور، وتهذيب التهذيب للتنوخي، والمصباح للفيومي، وتاج العروس للزبيدي إلخ ... إلخ.

17

فالترجمة إذن أفادت اللغة العربية فائدتين - مباشرة وغير مباشرة - أما الفائدة المباشرة فكانت بنقل الكتب الكثيرة في العلم والفنون المختلفة إليها، وأما الفائدة غير المباشرة فكانت بالعناية بالقواميس الأجنبية والعربية جميعا، وضاعف من هاتين الفائدتين وجود المطبعة، فإن طبع آلاف النسخ من هذه الكتب والقواميس ساعد على انتشارها وتداولها بين أكبر عدد ممكن من القراء، وبهذا بدأت اللغة العربية أولى خطواتها في سبيل النهضة الجديدة، فأخذ الأسلوب ينطلق شيئا فشيئا من قيوده البديعية القديمة، ويصطنع لنفسه طرقا جديدة يعنى فيها بالمعنى دون اللفظ، وبالجوهر دون العرض، ومنذ ذلك العصر خطا المصريون خطواتهم الموفقة في سبيل النهضة باللغة العربية خطوة بعد خطوة إلى أن وصلوا إلى الأوج في عصرنا هذا، ولولا ذلك البدء ما كانت هذه النهاية. (7) تأثير الترجمة في المجتمع المصري

ذكرنا في أول هذا الباب أغراض الترجمة في هذا العصر، وعرفنا أن هذه الأغراض كان تزويد المدارس والتلاميذ والمدرسين بالكتب في مختلف العلوم والفنون الجديدة التي يراد نقلها عن أوروبا؛ ولهذا ترجمت الكتب الكثيرة في الطب والهندسة، والكيمياء والطبيعة، والرياضيات، والجغرافيا والتاريخ والعلوم والفنون الحربية، وقد كان تقليد العصر أن يطبع من كل كتاب ألف نسخة، كان العدد الأكبر منها يوزع على تلاميذ المدارس، فالترجمة في معظمها كانت تتجه اتجاها علميا، وكانت دائرتها محدودة لا تتعدى جدران المدارس، حقيقة كانت هناك دائرة علمية أخرى هي دائرة الأزهر بعلمائه وطلابه، ولكن استفادة هؤلاء بالكتب الجديدة كانت محدودة، فلم يقبل منهم على قراءتها إلا نفر قليلون، وخاصة طائفة المصححين والمحررين الذين شاركوا مشاركة فعلية في نقل هذه الكتب، وعدد آخر قليلون من أمثال الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر، يقول عنه تلميذه رفاعة إنه «كان يطلع دائما على الكتب المعربة من تواريخ وغيرها، وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية ...»

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١٢٠