تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أنا نلاحظ أن هذا التقليد لم يكن عاما، بل لقد أعفي منه خريجو المدارس والبعثات من الأزهريين؛ أعفي منه الشيخ رفاعة، وأعفي منه الشيخان (ثم الدكتوران) أحمد حسن الرشيدي، وحسين غانم الرشيدي؛ فقد كانا ممتازين في معرفتهما للغة العربية، بل لقد كانا مصححين في مدرسة الطب قبل إيفادهما إلى فرنسا ضمن بعثة 1832 الطبية.

ولم يكتف القائمون على حركة الترجمة في ذلك العصر بهذا التقليد، بل كانوا يعهدون ببعض الكتب بعد ترجمتها وتصحيحها إلى لجنة أخرى من مترجم ومصحح آخرين لمراجعتها على الأصل، وكانت بعض الكتب تراجعها لجنتان أو ثلاث الواحدة بعد الأخرى، حدث هذا في الغالب للكتب التي ترجمها يوحنا عنحوري؛

7

لأن هذا المترجم كان يتقن اللغة الإيطالية دون الفرنسية، فكانت الكتب تترجم له عن الفرنسية إلى الإيطالية، ثم يقوم هو بترجمتها إلى العربية، فإذا راجعها معه المصحح، أعطيت الترجمة للجنة أخرى لمراجعتها على النص الأصلي الفرنسي.

وحدث هذا الإجراء أيضا في بعض كتب الطب البيطري، والكتب الرياضية؛ فقد ترجم فرعون كتاب «التوضيع لألفاظ التشريح»، وصححه الشيخ مصطفى كساب، ثم صدر أمر من ديوان الجهادية بأن تكون لجنة ثانية من رفاعة أفندي والبكباشي هرقل لمراجعته، «فبادرا بالامتثال، وقابلاه مقابلة ليس لها مثال، مع إمعان النظر، وإيضاح ما خفي واستتر» وكذلك كتاب «اللآلئ البهية في الهندسة الوصفية»، ترجمه إبراهيم رمضان أفندي، ثم عهد به إلى حسن الجبيلي أفندي، «فقابله على أصله الفرنساوي، وأطلق عنان قلمه فيه وصححه، وأمعن نظره في ترجمته وأصلحه»، ثم أعطاه للشيخ إبراهيم الدسوقي فحرره وصححه تصحيحا ثانيا ... إلخ ... إلخ.

كذلك نلاحظ أن المبدأ العام لم يتجه في هذه الحركة إلى التخصص في الترجمة؛ فقد رأينا طبيبا يترجم في الجغرافيا، ومبعوثا للتخصص في صناعة الحرير يترجم كتابا في التاريخ، ورأينا رفاعة يترجم في كل علم وفن؛ ولهذا نلاحظ أنه أخذ تلاميذه في مدرسة الألسن بنفس الطريقة، فكان المترجم ينتهي من ترجمة كتاب في التاريخ أو الجغرافيا، فيعهد إليه بترجمة كتاب آخر في الكيمياء أو النبات، أو الهندسة، أو الرحلات ... إلخ.

غير أنا نلاحظ أن الحركة كانت تتجه في أواخر العهد نحو التخصص؛ فالذين عينوا في مدرسة الطب من خريجي البعثات تخصصوا في ترجمة العلوم الطبية دون غيرها، والذين عينوا في مدرسة المهندسخانة تخصصوا في ترجمة العلوم الرياضية، بل إنا لنلاحظ أن خريجي الألسن كانوا في طريقهم إلى انتهاج هذا النهج؛ فأبو السعود وخليفة محمود كادا - في آخر العهد - يتخصصان في ترجمة الكتب التاريخية، وصالح مجدي في ترجمة الكتب الهندسية والحربية، ومحمد الشيمي في ترجمة الكتب الرياضية ... وهكذا، وفي رأيي أنه لو كان قد امتد بالمدرسة العمر لانتهت إلى التخصص التام.

كذلك لم يكن نظام المترجم الواحد للكتاب الواحد عاما في عصر محمد علي، بل نستطيع أن نقرر أن هذا النظام لم يتبع عادة إلا في مدرستي الطب البشري والبيطري، أما في مدرسة الهندسة فقد اتبع هذا النظام في بعض الكتب، ولم يتبع في البعض الآخر، فرأينا كتاب «الروضة الزهرية في الهندسة الوصفية» يشترك في ترجمته إبراهيم رمضان ومنصور عزمي، وكتاب «رمز السر المصون في تطبيق الهندسة على الفنون» يشترك في ترجمته عيسوي زهران، وصالح مجدي، ومحمد الحلواني إلخ، وكان يتبع هذا النظام عند ترجمة بعض الكتب التي يأمر محمد علي بترجمتها، وذلك رغبة في إنجازها بسرعة؛ فقد أصدر أمره مرة بترجمة كتاب «نظامات وترقيات العساكر»، وأن يجمع «التراجمة» وتحل حبكة الكتاب ويعطى لكل مترجم «كراس منه لسهولة ترجمته في أقرب وقت»؛ وذلك «لكون ترجمة هذا الكتاب من الأمور المهمة المستعجلة».

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد عليص ١١٠