وجاء الفتح العثماني كما قلنا فحجب مصر وبلدان الشرق عن الاتصال بالغرب، وعاصره أيضا كشف الغربيين لطريق رأس الرجاء الصالح، فتحولت التجارة، وتحول الخير معها عن مصر، وهكذا انقطع الخيط الأخير من الصلات التي كانت تربط بين مصر ودول أوروبا، فبدأت عهد رهبنة، أو تصوف، أو دروشة غريب، ساعدها عليه كثرة ما بها من خوانق، وربط، وتكايا، وزوايا، وسيطر على عقول الجماهير جماعات
9
من المشعوذين والمدعين الولاية، فشاعت الخرافات والترهات، وأصبح الإيمان بالمعجزات يقوم عند الشعب، بل وعند العلماء، مقام الدين.
وهكذا تم لمصر - وهي زعيمة الشرق - كل عوامل الضعف، فقد ضعفت حربيا بتملك العثمانيين لها، وضعفت اقتصاديا بتحول التجارة عنها، وضعفت علميا وروحيا بسيطرة أفكار التصوف والدروشة على عقول أهليها.
وكانت أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر «لا تزال تحفظ للشرق الإسلامي الشيء الكثير من الاحترام؛ لأنها لم تنس بعد بأسه الشديد في الحروب الصليبية وفتوحات الأتراك. ولكن نفرا من السائحين بدأ يدخل الشرق، ويطوف به، ويتأمل أحواله، فيزداد عجبا، ثم يمضي إلى قومه فيتحدث إليهم عما رأى من انحطاط المجموعة الإسلامية، وضعفها البالغ. فبدأ الأوروبيون يشكون في قوة الشرق الإسلامي، وبدأت هيبته تسقط من أعينهم، وفكروا في استعمال طريق البحر الأبيض من جديد.»
10
وفيما نقلناه عن «فولني» تصديق لهذا القول؛ ولهذا بدأت بعض دول أوروبا - وخاصة فرنسا - تفكر تفكيرا جديا في غزو هذا الشرق الضعيف. وكانت نتيجة هذا التفكير الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798 يقودها القائد الشاب المغامر «نابليون بونابرت».
الفصل الأول
| اتصال العلماء المصريين بعلماء الحملة الفرنسية وأثر هذا الاتصال
التقابل بين جيش المماليك والفرنسيين، أعداء الفرنسيين في مصر، فشل الحملة حربيا، جهود علماء الحملة، موقف الشعب منهم، موقف علماء مصر منهم، الشيخ عبد الرحمن الجبرتي يصف المجمع العلمي، اختياره عضوا في ديوان «مينو»، الشيخ إسماعيل الخشاب، علاقته ببعض مستشرقي الحملة، اختياره كاتبا ل «سلسلة التاريخ» في ديوان «مينو»، أسطورة إصدار صحيفة عربية في عهد الحملة ودحضها، الشيخ حسن العطار، عنايته بعلوم غير تلك التي كانت تدرس في الأزهر، اتصاله ببعض الفرنسيين، إفادته منهم ولهم، أثر هذا الاتصال في المشايخ الثلاثة، مطبعة الحملة. ***
كان الأمر في مصر قد انتهى بقوتين من ثلاث - وهما قوة الباشا وقوة الديوان - إلى الضعف العام، والانحلال الشامل، كما انتهى بالقوة الثالثة - وهي قوة المماليك - إلى نوع من الانتعاش والصحوة؛ لهذا نجد أن هذه القوة هي التي تتولى أمر الدفاع عن مصر أمام خطر هذا الغزو الجديد، ولكن المماليك اصطدموا هذه المرة بغرب غير ذلك الذي عرفوه في الحروب الصليبية، وسرعان ما رأوا أن لا أساس لما زعموا «من أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا يقفون في مقابلتهم، وأنهم يدوسونهم بخيولهم.»
1
فكان هذا الجيش الجديد الآتي من الغرب الجديد يتبع نظما جديدة، ويستعمل أسلحة جديدة، ويقوده شاب يمتلئ شجاعة وإقداما وأملا، فلم يكن من الممكن، أو من المحتمل، أن تقف أمامه فلول المماليك - رغم شجاعتهم الشخصية - بنظامهم الفروسي القديم، وخططهم العتيقة - خطط الكر والفر - وسلاحهم البالي من سيوف ورماح ونبال ... إلخ.
هزمت جيوش المماليك، وتفرقت جنودهم شيعا تلوذ بأذيال الفرار شرقا نحو الشام، وجنوبا نحو أقاصي الصعيد وبلاد النوبة والسودان؛ ولهذا نستطيع أن نقرر أن الحملة نجحت من الناحية الحربية، ولكنه كان نجاحا وقتيا لم يلبث أن انكشف عن صعوبات جديدة، يقوم بها عصبة من الأعداء: إذ لم يكن من اليسير أن تتنازل فلول المماليك عن غنيمتهم بهذه السرعة، ولم يكن من السهل أن يترك السلطان مصر - درة تاجه - للفرنسيين دون أن يناضل في سبيلها - ولو بجهد المقل - ولم يكن من الجائز عقلا في شريعة إنجلترا أن تلقي لفرنسا الحبل على الغارب تستولي على هذا الشريان الذي يصل بين قلبها وبين أطراف الإمبراطورية في الشرق، ولم يكن من المقبول أخيرا لدى سكان مصر أن يضع هؤلاء الفرنج أيديهم على بلادهم، وهم هؤلاء الكفرة الذين يشربون الخمر، ويراقصون النساء، ويرتكبون المنكر عيانا، وهم الذين يقيدون من حرياتهم يوما بعد يوم فيمنعونهم الدفن في منازلهم، ويأمرونهم بكنس الشوارع ورشها وإنارتها ليلا، ويهدمون أبواب حاراتهم، ويزيلون أسقف أسواقهم، ويسجلون مواليدهم وموتاهم، ويفرضون عليهم الضرائب ... إلخ.