تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اجتاز رفاعة الامتحان بعد أن قضى في فرنسا خمس سنوات طوال أقبل فيها على الدرس والتحصيل إقبال الطالب المجد المحب لعمله. وقد قرأ في هذه السنوات كتبا شتى في علوم متباينة وترجم الكثير من هذه الكتب، ولكنه - متأثرا بميله الخاص وبدراسته الأدبية الأولى في الأزهر - شغف أكثر ما شغف بعلمي التاريخ والجغرافيا، ورشح نفسه لترجمة هذين العلمين. فهو يقول في خاتمة رحلته: «وإن شاء الله تعالى بأنفاس ولي النعم يصير التاريخ على اختلافه منقولا من الفرنساوية إلى لغتنا ... فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئته تعالى، وبهمة صاحب السعادة محب العلوم والفنون، حتى تعد دولته من الأزمنة التي تؤرخ بها العلوم والمعارف المتجددة في مصر مثل تجددها في زمن خلفاء بغداد ...»

| بعد العودة

في رمضان سنة 1241ه غادر رفاعة الإسكندرية مرتحلا إلى فرنسا، وفي رمضان سنة 1246ه غادر باريس عائدا إلى مصر. خمس سنوات كاملة تغير فيها الشيخ عقلا وعلما، وتفكيرا وآمالا، لكنه لم يتغير، بل لم يتأثر دينا وأخلاقا. يقول علي مبارك: «ولم تؤثر إقامته بباريز أدنى تأثير في عقائده، ولا في أخلاقه وعوائده ...»

وفي الإسكندرية تشرف بمقابلة إبراهيم باشا، فرحب به لأنه سمع عنه ثناء جما أثناء زيارته لباريس، ولأنه كان يعرف أسرته في طهطا معرفة وثيقة. وفي ختام المقابلة وعده إبراهيم باشا «بدوام الالتفات إليه»، وأنعم عليه بستة وثلاثين فدانا في الخانقاه، فكانت أول مكافأة مادية نالها رفاعة على جده واجتهاده. وأول الغيث قطرة. (1) في مدرسة الطب

وسافر إلى القاهرة، وحظي بمقابلة ولي النعم محمد علي باشا، وكان محمد علي قد عرفه معرفة أكيدة من تقارير مسيو «جومار» الكثيرة عنه، وكلها مدح وتقريظ لجهوده وتقدير لعمله. وفي هذه المقابلة لقي رفاعة من مولاه كل عطف وتشجيع «ورأى من ميله إليه ما حمله على الثقة بنجاح البدء والنهاية». وصدر أمره العالي بتعيينه مترجما بمدرسة الطب، فكان أول مصري يعين مترجما بهذه المدرسة؛ فقد كانت هيئة المترجمين جميعا حتى ذلك الوقت من السوريين؛ لهذا لم يلبث رفاعة أن تفوق عليهم في عمله، فهو يتقن اللغة العربية إتقانا لا يدانيه فيه أحد من هؤلاء المترجمين السوريين وهو يجيد الفرنسية مثلما يجيدونها. وترجمته في النهاية صحيحة سليمة لا تحتاج - كترجمة السوريين - إلى مراجعة أو تصحيح شيخ من شيوخ الأزهر المحررين بالمدرسة.

لبث رفاعة مترجما في مدرسة الطب نحو سنتين، ولكنه يبدو أنه كان في هذه المدرسة مصححا ومحررا أكثر منه مترجما، إذ لم يعرف أنه ترجم في الطب غير الرسالة الصغيرة التي ترجمها وهو في باريس وضمنها رحلته، ولكنه قام في هذه الفترة بمراجعة كتاب «التوضيح لألفاظ التشريح» في الطب البيطري، الذي ترجمه يوسف فرعون وصححه الشيخ مصطفى حسن كساب. فقد قرر مجلس الجهادية في 20 جمادى الأولى سنة 1248ه «بناء على ما ورد على مجلس المشورة في مدرسة الطب البيطري الموافقة على طبع كتاب التشريح الذي ترجم بعد مراجعة الترجمة بمعرفة الشيخ رفاعة أفندي وهرقل البيكباشي واتضاح صحتها ...» وقد ذكر في خاتمة الكتاب أنه تم ترجمة في التاسع عشر من شعبان سنة 1247ه، وأنه تم طبعا في بولاق في غرة صفر سنة 1249ه. (2) في مدرسة الطوبجية

وفي سنة 1249ه نقل رفاعة من مدرسة الطب ليكون مترجما بمدرسة الطوبجية بطرة خلفا للمستشرق الشاب «كنيك

Koenig ». وفي هذه المدرسة قام رفاعة بترجمة بعض الكتب الهندسية والجغرافية اللازمة لمدرسة الطوبجية وغيرها من المدارس الحربية، فأتم أولا ترجمة كتاب «مبادئ الهندسة» الذي طبع في سنة 1249ه.

أما علم الجغرافيا، وهو العلم الحبيب إلى رفاعة منذ كان يتلقى العلم في باريس، فقد كان علما هاما وضروريا لتلاميذ المدارس الحربية، ولم يكن في متناول أيديهم حتى ذلك الحين كتاب واحد في هذا العلم باللغة العربية أو التركية، فأشار «سكويرابيك

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد عليص ٩