تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستفاد من كلام الكندي وهو يؤرخ لبعض قضاة دمياط أن قاضي هذه المدينة في العصر الفاطمي كان يمكث بها تسعة أشهر للنظر في القضايا والأحكام، ثم يعود إلى الفسطاط فيقيم بها «ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان ... بحسب العادة.»

وكان في كل من دمياط وتنيس في العصر الفاطمي محتسب خاص - يعين من قبل محتسب القاهرة - للإشراف على شئون المدينتين الاجتماعية والاقتصادية.

والدولة الفاطمية نشأت أول ما نشأت في تونس، وكانت تسمى وقتذاك إفريقية، وهي إقليم يطل على البحر الأبيض المتوسط؛ ولهذا عني الفاطميون - وهم لا يزالون في إفريقية - عناية فائقة بالأسطول، فأنشئوا السفن الكثيرة وزودوها بالرجال والعتاد، وقد أسهمت أساطيلهم مساهمة فعالة في غاراتهم المتتالية على مصر حتى تم لهم فتحها في سنة 358ه.

فلما انتقلوا إلى مصر لم تقل عنايتهم بالأساطيل، بل زادت، ويقال إن المعز - أول خلفائهم بمصر - أنشأ في عهده أسطولا يتكون من ستمائة سفينة.

وكانت هذه السفن الحربية تبنى فيما كان يسمى في العصور الإسلامية: «دار الصناعة» أي دار صناعة السفن، وكان في الفسطاط قبل العصر الفاطمي دار صناعة فأبقى عليها الفاطميون، وأنشئوا إلى جانبها دار صناعة جديدة في «المقس» - ميناء القاهرة - وكان هناك لا شك دار صناعة في دمياط منذ بدئ بإنشاء الأسطول في عهد عنبسة، كما كانت هناك دار صناعة أخرى في الإسكندرية.

وقد عني الفاطميون عناية زائدة بهذه الدور، وخاصة دار صناعة دمياط؛ فقد دخلت بلاد الشام في ملكهم، ودمياط أقرب موانئ مصر لهذه البلاد، كما أنها معرضة لغارات الصليبيين عليها، كما كانت معرضة لغارات البيزنطيين من قبل.

وكان الفاطميون يعنون بالأساطيل وتجهيزها والإشراف على الثغور عناية سنوية دائمة لا تقف ولا تنقطع، وكان موعد هذه العناية في شهر برمهات من كل سنة عندما يصحو الجو، يقول المقريزي: «وفي برمهات تجري المراكب السفرية في البحر الملح إلى ديار مصر من المغرب والروم، ويهتم فيه بتجنيد الأجناد إلى الثغور كالإسكندرية ودمياط وتنيس ورشيد، وفيه كانت تجهز الأساطيل ومراكب الشواني لحفظ الثغور.» وينص في مكان آخر على أن سفن الأسطول كانت تصنع في دور الصناعة جميعا في مصر والإسكندرية ودمياط، يقول: «وكان من أهم أمورهم (يقصد الفاطميين) احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات إلى بلاد الساحل حين كانت بأيديهم، مثل صور وعكا وعسقلان.»

وكان أسطول دمياط يقوم على حمايتها من عدوان المغير، كما حدث في عهد الخليفة الفاطمي الفائز، ففي جمادى الآخرة من سنة 550ه (أغسطس 1155م) وصل إلى دمياط أسطول صاحب صقلية في نحو ستين مركبا «فعاثوا وقتلوا ونزلوا بتنيس ورشيد والإسكندرية فأكثروا فيها الفساد.» فتصدى لهم أسطول دمياط حتى ردهم.

وحدث أيضا في خلافة العاضد - آخر خلفائهم - ووزارة شاور الثانية، أن نزل أسطول الصليبيين في عشرين شونة (أي سفينة حربية كبيرة) على تنيس فقتل وأسر وسبى، فتولى أسطول دمياط محاربة هذه السفن وردها.

هاتان هما الغارتان اللتان نزلتا على دمياط وما يجاورها طيلة العصر الفاطمي، إحداهما وفدت من صقلية، والثانية أرسلها الصليبيون في الشام، مما يبين في وضوح أن غارات البيزنطيين على شواطئ مصر قد انقطعت في العصر الفاطمي؛ ولعل السبب في هذا أن الدولة البيزنطية كانت قد أصابها الضعف والكلال، وأن العلاقات بين الفاطميين والبيزنطيين كانت في معظمها علاقات طيبة.

ولكننا نلاحظ أيضا أن خطرا مسيحيا جديدا أخذ يظهر في الأفق، ويهدد دمياط وسواحل مصر، كان يمثل هذا الخطر أساطيل النورمانديين في صقلية، وأساطيل الصليبيين في سواحل الشام بعد استيلائهم عليها في أعقاب الحملة الصليبية الأولى في أواخر القرن الخامس الهجري (11م).

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّاص ٤