ونحن إن كنا نأمل - مع أهل دمياط - في شيء، فذلك أن يعنى أولو الأمر بتنفيذ المشروعات الإصلاحية التي تعيد للمدينة سابق مجدها، وخاصة مشروع الميناء، ومشروع طريق دمياط بورسعيد، ومشروع المجاري ... إلخ. ودمياط في رأينا أيضا مدينة صالحة جدا لإنشاء جامعة بها، إن الإسراع بتنفيذ هذه المشروعات يطفر بدمياط طفرة سريعة إلى الأمام.
أما دمياط القديمة فلها علينا أيضا حقوق، ومن حقها علينا أن تعنى الجامعات بعمل حفائر علمية بها وبتنيس؛ لتحديد موقع المدينتين ومعالمهما القديمة، وأن تعنى مصلحة الآثار العربية بالمحافظة على ما بقي بالمدينة من وكائل وخانات ومساجد؛ فهي جميعا صورة جميلة لدمياط القديمة، ومن الأسف أن الدمياطيين أهملوا هذه الناحية إهمالا تاما في السنوات الأخيرة؛ فتركوا وزارة الأوقاف تبيع الوكائل القديمة وتهدمها دون أن تستدعي مصلحة الآثار لإبداء رأيها ودراسة هذه المنشآت والمحافظة عليها، أو تصويرها ودراستها قبل هدمها. كما تركوا مهندسي البلدية يهدمون منارات المساجد القديمة ومبانيها دون تقدير لأهميتها الأثرية والفنية والتاريخية.
| تاريخ المدينة الاقتصادي
| التاريخ التجاري
كان يقع على ساحل مصر الشرقي ثغور ثلاثة: دمياط وتنيس والفرما، وكانت دمياط في العصور القديمة أقل هذه المدن أهمية، غير أنها جميعا لعبت دورا خطيرا في تاريخ مصر التجاري في العصور القديمة والوسطى؛ وذلك لأن تجارة الشرق الأقصى الوافدة عبر البحر الأحمر كانت تصل إما إلى عيذاب، ومنها تحمل بطريق القوافل إلى أسوان، ثم تنحدر في السفن شمالا إلى العاصمة عند قمة الدلتا، ثم إلى دمياط أو الإسكندرية، وإما أن تصل إلى القلزم (السويس الحالية) حيث تحمل بطريق القوافل إلى الفرما أو إلى العاصمة، ثم تشحن بطريق النيل إلى دمياط أو الإسكندرية.
وكانت التجارة الواصلة إلى الفرما أو دمياط تصدر إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية، وخاصة سوريا وآسيا الصغرى واليونان، وإليهما كانت ترد بضائع هذه الأقطار، وقلما كانت ترد إلى هاتين المدينتين أو تصدر عنهما سفن غرب أوروبا، فقد كانت الإسكندرية هي مركز الاتصال التجاري بين مصر وغرب أوروبا؛ فهي أقرب إليه من دمياط، أما تنيس فكانت تصدر عنها إلى الشرق منتجاتها الصناعية وخاصة المنسوجات.
وقد حافظت هذه المدن على مكانتها التجارية في العصور القديمة، فلما كان الفتح العربي بدأت دمياط تحتل مكان الصدارة بين هذه المدن الثلاث، وخاصة أن الفرع البلوزي القديم الذي كان ينتهي عند الفرما أخذ في الاضمحلال شيئا فشيئا، ثم طمرته الرمال نهائيا في الوقت الذي اتسع فيه فرع دمياط وأصبح طريق الملاحة بين العاصمة والبحر.
وقد صمدت دمياط لغارات البيزنطيين والصليبيين عليها، أما الفرما وتنيس فقد نالت منهما هذه الغارات، فساعدت على إضعافهما، وقد نزل الفرنج أخيرا بالفرما سنة 545 فنهبوها وأحرقوها، ثم خربها تخريبا تاما الوزير شاور في منتصف القرن السادس الهجري، وكذلك تنيس تداول علي تخريبها البيزنطيون ثم الفرنج، إلى أن كانت سنة 624 فأمر الملك الكامل محمد الأيوبي بتخريبها وهدم حصونها؛ فرحل أهلوها إلى دمياط. وهكذا زالت من الوجود هاتان المدينتان؛ الأولى في القرن السادس الهجري والثانية في القرن السابع.
وورثتهما دمياط فغدت الميناء المصري الوحيد في الركن الشمالي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط؛ فنشطت تجارتها وازدهرت، ثم لم تلبث الحروب الصليبية التي توالت عليها أن أثرت فيها، وهدمت دمياط القديمة بعد آخر حملة من هذه الحملات على مصر، ثم أنشئت جنوبيها مدينة جديدة ظلت تنمو شيئا فشيئا؛ وذلك لأن موقعها الجغرافي يستلزم قيام مدينة في هذه البقعة رغم قسوة الحروب وأحداثها.