تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خريطة دمياط كما رسمها علماء الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

وتقدم الفرنسيون بعد هذا إلى المدن والقرى القريبة من دمياط كميت الخولي والضاهرية والزرقة، فأخمدوا ثوراتها ونهبوها نهبا تاما. وقد كتب الجنرال لوجييه في يومياته يصف المساوئ التي ارتكبها الجنرال فيال عند انتقامه من ميت الخولي والقرى المجاورة، قال: «في اليوم الذي عاد فيه الجنود إلى دمياط بعد هذا النهب، كانت مدينة دمياط أشبه بسوق أو مولد، باع فيه الجنود الفرنسيون إلى الأروام ما نالته أيديهم من النهب والسلب، فكانوا يعرضون المواشي والطيور والثيران والبقر والخيول والحمير والغنم والدجاج والأوز ... وكثيرا من قطع الذهب والفضة التي كانت حليا للنساء.»

وأرسل نابليون الجنرال دوجا للإشراف على منطقة بحيرة المنزلة، كما أرسل إلى دمياط بعض السفن المسلحة مددا للقوة المعسكرة هناك، على أن مركز الفرنسيين ظل مزعزعا في هذه المنطقة، يؤيد هذا قول الجنرال لوجييه في يومياته:

لم تتحسن الحالة كثيرا عما كانت عليه حينما جاء الجنرال دوجا لأول مرة إلى دمياط، والسلطة الفرنسية ما زالت منكورة في معظم جهات الدلتا التابعة لهذه المديرية، وفي دمياط نفسها التي تعتبر من أعظم بلاد القطر المصري، لا يأمن الجندي الفرنسي على حياته إذا هو ذهب إلى حي الوطنيين، والحامية الفرنسية مقصاة في حي الأروام.

علم نابليون من تقرير قواده أن منطقة دمياط لن تخضع للفرنسيين إلا إذا قضى علي نفوذ حسن طوبار المعسكر في المنزلة، والمسيطر على بحيرتها بأساطيله ورجاله؛ فأرسل قائدا آخر من قواده يسمى أندريوسي

Andreossi

ليشرف على إخضاع هذه المنطقة، واتصل هذا القائد بقواد الحاميات الفرنسية المقيمة بدمياط وحولها، ووضع الخطة للاستيلاء على المنزلة معقل حسن طوبار. وقد استطاع الفرنسيون الدخول إلى المدينة حقا في أوائل أكتوبر، ولكن بعد أن خرج منها كل أهليها، ولم يتركوا بها إلا الشيوخ والنساء، وقد فر حسن طوبار إلى غزة، وبقي بها إلى أن عاد به نابليون إلى مصر بعد فشل حملته على سوريا، وأقام في بلدته ملتزما السكينة والهدوء؛ فقد احتفظ الفرنسيون بابنه رهينة عندهم في القاهرة، ليتأكدوا من ولائه وهدوئه. وقد مات طوبار في سنة 1800، فنشرت جريدة الحملة الرسمية «كورييه دلجبت» خبر وفاته.

وقد عني الفرنسيون بعد إخضاع هذه الثورات بتحصين منطقة دمياط فأنشئوا قلعة بعزبة البرج، وقلعتين على مدخل البوغاز شرقا وغربا، وقد أقاموا هذه القلاع جميعا على أنقاض الأبراج والقلاع القديمة التي يبدو أنها كانت قد تهدمت وتشعث بنيانها في العصر العثماني.

| دمياط في عصر الأسرة المحمدية العلوية

(1) في عصر محمد علي الكبير

وفي السنين الأولى من عصر محمد علي الكبير حافظت دمياط على مكانتها؛ فقد كانت ثاني مدينة في القطر بعد العاصمة «القاهرة» كما كانت ميناء مصر الأول، عنها تصدر، وإليها ترد معظم التجارة الخارجية، وكان يقوم بها كثير من الخانات والوكائل.

وقد عني بها محمد علي في أوائل عهده عناية خاصة، ذكر الجبرتي في حوادث سنة 1231 / 1816 أن أحد أبناء البلاد، واسمه حسين شلبي عجوة، اخترع آلة لضرب الأرز وتبييضه، وقدم نموذجا لها إلى محمد علي، فأعجب بها وأنعم على مخترعها، وأمره بتركيب مثل هذه الآلة بدمياط وأخرى برشيد، ويقول الجبرتي: «إن الباشا لما رأى هذه النكتة من حسين شلبي هذا، قال: إن في أولاد مصر نجابة وقابلية للمعارف.» وأمر في الحال بإنشاء مدرسة للهندسة في القلعة لتعليم المصريين العلوم الهندسية، وهي أول مدرسة للهندسة أنشئت في عصر محمد علي، ثم تلتها مدارس أخر.

وفي عهد محمد علي أيضا أنشئت مدرسة للمشاة في دمياط، وكانت مهمتها إعداد الضباط لسلاح المشاة، وكانت تضم 400 طالب، كما أنشئ بها مصنع للغزل يشبه المصانع الآلية الكثيرة التي أنشئت في مدن القطر المختلفة وقتذاك، وفي عهده (1233-1818) جعلت دمياط محافظة.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّاص ٢٣