ثم لاحظ بيبرس أن العناية بالأساطيل قد فترت بعد خروج الفرنسيين من مصر، وثغور مصر - وخاصة دمياط والإسكندرية - لا يمكن أن يحميها إلا الأساطيل؛ «فأنشأ عدة شوان بثغري دمياط والإسكندرية، ونزل بنفسه إلى دار الصناعة، ورتب ما يجب ترتيبه، وتكامل عنده ببر مصر ما ينيف على أربعين قطعة وعدة كثيرة من الحراريق والطرائد ونحوها.»
وفي شوال سنة 661 خرج بيبرس وزار الإسكندرية وأشرف على أسوارها وحصونها، وفي السنة التالية 662 / 1264 خرج إلى دمياط فزارها، وأمر بالعناية بأبراجها وأسطولها، وأقام بها - كما أقام بغيرها من الثغور - حامية كبيرة العدد للدفاع عنها.
واستعادت دمياط مكانتها شيئا فشيئا، وعاد إليها أسطولها، وكان مقدم أسطول دمياط - أي قائده أو رئيسه - واحدا من كبار رؤساء الأسطول المصري العام، ومن دمياط بدأت تخرج الغارات البحرية - كما كان العهد في العصرين الفاطمي والأيوبي - ففي عهد بيبرس، وفي سنة 699 / 1270 خرج الأسطول المصري من دمياط يريد غزو جزيرة قبرص، ولكنه لم يوفق، وأسر كثير من جنده وقواده - ومن بينهم مقدم أسطول دمياط - وبقوا في الأسر إلى أن تحيل بيبرس في استنقاذهم في سنة 673. وعني بيبرس بشئون دمياط المدنية عنايته بشئونها الحربية؛ فأمر بعمارة الجسر (الطريق الزراعي) الذي يصل بينها وبين القاهرة. (5-5) دمياط في أواخر القرن السابع الهجري: الشيخ فاتح الأسمر
وظلت دمياط الجديدة تنمو شيئا فشيئا، وقصدها العلماء والصوفية من كل حدب وخرج علماؤها إلى الأقطار، فممن وفد عليها في أواخر القرن السابع الهجري (13م) الشيخ فاتح بن عثمان الأسمر التكروري، قدم إليها من مراكش حوالي سنة 678ه - أي بعد إنشاء المدينة الجديدة بنحو خمس وعشرين سنة - فأقام بها مدة، ثم نزح عنها إلى تونة فلبث بها سبع سنين، ثم عاد إلى دمياط فأقام في جامعها القديم الذى بقي بعد هدم المدينة القديمة، وجعل مقره في وكر بأسفل منارته. وكان هذا الجامع - منذ هدمت دمياط - مهدما مهملا لا يفتح إلا في يوم الجمعة، فاعتنى به الشيخ فاتح، ورمم جدرانه، ونظفه بنفسه حتى طرد الوطواط الذي كان يقيم بسقوفه، وساق الماء إلى صهاريجه، وبلط صحنه، وسبك سطحه بالجبس، ورتب فيه إماما يصلي بالناس الصلوات الخمس، وأقام هو في بيت الخطابة مواظبا على قراءة الأوراد وتلاوة القرآن، وكان يقول: «لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع لأقمت به، ولو علمت في الأرض بلدا يكون فيه الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه وأقمت به.» وكان هذا الشيخ على خلق عظيم، فكان يحب الفقر ويتواضع مع الفقراء، ويتعاظم على العظماء والأغنياء، وإذا اجتمع عنده الناس قدم الفقير على الغني، وإذا مضى الفقير من عنده سار معه وشيعه عدة خطوات وهو حاف، ووقف ينظره حتى يتوارى عنه، وكان يكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في قضاء حوائج الخاص والعام من غير أن يمل ولا يتبرم بكثرة ذلك. تزوج في آخر حياته بامرأتين، وكان يقرأ في المصحف ويطالع الكتب، وإنما لم يره أحد يخط بيده شيئا. توفي ليلة الثامن من شهر ربيع الآخر سنة 695 (فبراير 1296) وخلف ولدين ليس لهما قوت ليلة، وعليه دين قدره ألفا درهم، ودفن في قبره بجوار الجامع القديم.
ومنذ ذلك الحين عرف ذلك الجامع بجامع الفتح، وهو تحريف للفظ فاتح - اسم الشيخ - ثم ظن الناس تخريجا من هذا الاسم المحرف أن هذا الجامع بني زمن الفتح الإسلامي، وهو ظن خاطئ يعوزه الدليل التاريخي المادي، وينفيه ما ذكره المقريزي من أنه لما زار دمياط في أوائل القرن التاسع الهجري شاهد بنفسه نقشا بالقلم الكوفي على باب هذا الجامع يثبت أنه عمر بعد سنة خمسمائة من الهجرة، أي أنه يرجع إلى العصر الفاطمي، وهو قول تؤيده الدراسات الأثرية للنقوش والكتابات والزخارف الخشبية التي كانت تزين جدران هذا الجامع حتى وقت قريب، والتي نقلت إلى دار الآثار العربية بالقاهرة، فهذه النقوش والكتابات جميعا من الطراز الفاطمي.