ولم تنته الفتنة عند هذا الحد؛ فقد ذهب الناس بعد ذلك بأيام إلى مسجد المؤيد؛ ليحضروا درس وعظهم فلم يجدوه، وسرت شائعة أن القاضي منعه من الوعظ! يقول الجبرتي: «فقام رجل منهم وقال: أيها الناس، من أراد أن ينصر الحق فليقم معي، فتبعه الجمع الغفير، فمضى بهم إلى مجلس القاضي، فلما رآهم القاضي ومن في المحكمة طارت عقولهم من الخوف، وفر من بها من الشهود ولم يبق إلا القاضي، فدخلوا عليه، وقالوا له: أين شيخنا؟
فقال: لا أدري.
فقالوا له: قم واركب معنا إلى الديوان، ونكلم الباشا في هذا الأمر، ونسأله أن يحضر لنا أخصامنا الذين أفتوا بقتل شيخنا، ونتباحث معهم، فإن أثبتوا دعواهم نجوا من أيدينا وإلا قتلناهم.
فركب القاضي معهم مكرها، وتبعوه من خلفه وأمامه إلى أن طلعوا إلى الديوان، فسأله الباشا عن سبب حضوره في غير وقته، فقال: انظر إلى هؤلاء الذين ملئوا الديوان والحوش، فهم الذين أتوا بي.
وعرفه عن قصتهم.»
وهال الباشا ما رآه من تجمع الناس وغضبهم، وخشي شرهم إن هو عارض رأيهم، فأصدر أمره بأن يحضر الشيخان لمناقشة الواعظ، وخرج الناس فأحضروا شيخهم وأجلسوه على كرسي وعظه بجامع المؤيد، واتفق معهم على أن يأتوه بالشيخين في اليوم التالي؛ ليذهبوا جميعا إلى القاضي، ويناقشوا الأمر أمامه.
غير أن الباشا لم يكن جادا في أمره، وإنما هو أراد أن يتقي شرهم، فلما خرجوا أرسل رسالة إلى إبراهيم بك وقيطاس بك «يعرفهم ما حصل وما فعله العامة من سوء الأدب، وقصدهم تحريك الفتن، وتحقيرنا نحن والقاضي» وختم رسالته بتهديد الأميرين بأنه سيغادر مصر هو والقاضي إن لم يعملا على وضع حد لهذه الفتنة، قال: «وقد عزمت أنا والقاضي على السفر من البلد.»
وأدرك الأمراء المماليك خطورة الموقف، فأصدروا أمرهم بنفي الواعظ خارج مصر، وتفرق أنصاره، فقد صدر الأمر أيضا إلى الأغا «أن يركب، ومن رآه منهم قبض عليه، وأن يدخل جامع المؤيد، ويطرد من يسكنه من السقط.»
وهكذا شهدت مصر أول حركة إصلاحية في القرن الثامن عشر، ولكنها لم تدم إلا أياما قليلة، ولم يكتب لها النجاح؛ فإن المجتمع المصري لم يكن مستعدا بعد لتقبل هذه الدعوى، ومن المؤسف حقا أن الجبرتي لم يزدنا علما بها، فلم يذكر لنا اسم هذا الواعظ أو شيئا من سيرته: أين نشأ؟ وأين تعلم؟ ومن شيوخه؟ وكيف كان نوع ثقافته؟ وبمن تأثر في دعواه؟ هل كان كخلفه ابن عبد الوهاب متأثرا بآراء ابن تيمية أو كانت حركته رد فعل طبيعيا لما كان يراه في القاهرة وغيرها من مدن مصر من انتشار للبدع والشعوذة والخرافات؟ كل ذلك لا نعلم عنه شيئا! (3) الظاهرة الثالثة: نهضة ثقافية تلقائية
أما الظاهرة الثالثة فكانت تمثلها نهضة ثقافية علمية، بدأت تباشيرها تظهر في مصر في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت هذه النهضة تلقائية، بمعنى أنها نبتت نباتا داخليا في مصر، ولم تكن متأثرة بأي مؤثر خارجي شرقي أو غربي، وكان يمثلها مجموعة من رجال الفكر المصريين لم تعرف مصر شبيها لهم في القرون الثلاثة السابقة؛ ففي ميدان الدراسات الرياضية والفلكية ظهر الشيخ حسن الجبرتي، وفي ميدان الشعر والنثر ظهر رجال كالشيخ محمد الشبراوي والشيخ حسن العطار - وقد وليا مشيخة الأزهر - والشيخ إسماعيل الخشاب، وفي التاريخ ظهر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وفي ميدان الدراسات اللغوية والدينية ظهر السيد محمد مرتضى الزبيدي، وكان من الممكن أن تسير هذه النهضة في طريقها وتتطور تطورا طبيعيا، وأغلب الظن أن هذا التطور كان سيأخذ شكلا بعثيا إحيائيا، بمعنى أن هذه النهضة كانت ستعمل على بعث أمجاد الماضي العلمية، ونشر التراث القديم.
غير أن النهضة التلقائية أصيبت بقطع أو انفصال وقتي عند مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر؛ فقد أتى مع الحملة عدد من العلماء الفرنسيين، وكان هؤلاء العلماء، بل كانت الحملة كلها تحمل معها إلى مصر مظاهر نهضة علمية مختلفة عن مظاهر النهضة المصرية اختلافا بينا في كل شيء. وزار نفر من العلماء المصريين المعهد الذي أنشأه العلماء الفرنسيون في القاهرة، وزاروا المكتبة والمطبعة، وبهرهم ما رأوا، وبدءوا يفكرون ويقارنون بين ما في أيديهم من علم وما في أيدي هؤلاء الفرنسيين من علم.