تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سواءً كان عالمًا بالتحريم أو جاهلًا، وسواء كان الناس يحتاجون إلى العقوبة بذلك أو لا يحتاجون، لم يكن على أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة لكل من تكلم بها دليل شرعيٌّ أصلًا. وإذا كان كثير من الفقهاء يُوقِعون الطلاقَ بالسكران، ويقولون: نُوقِعه عقوبة ونَجعلُ ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، مع أن هذا لا يُوجب انتهاء الناس عن الشُكر، فكيف لا يكون ما فعلَه عمر رضي الله عنه من العقوبة مما يسوغ فيه الاجتهاد؟ مع أن ذلك أقرب إلى الأدلةِ الشرعية ومقصودِ المعاقب من هذا.

ولو قُدِّر أن بعضَ الصحابة رأى وقوع الثلاث جملةً بكل من تكلَّم بها، ورأى هذا شرعًا عامًّا لازمًا، فقد نازعَه في ذلك غيرُه، مع أن هذا بعيد، فإن الذين رُوِيَ عنهم إيقاعُ الثلاث جملةً رُوِيَ عنهم نَفْيُ ذلك، كعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس (١)، فَحَمْلُ كلامِهم على اختلاف حالين أولى من حَمْلِ كلامِهم على التناقض، واعتقادهم فساد أحد القولين (٢). وقد قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

فإن قيل: فإذا لم يكن الطلاق المحرَّم لازمَ الوقوع، فيلزم أن المطلقة في الحيض أيضًا لا يجب أن يلزم فيها الوقوع. وحديث ابن عمر قد ثبت في الصحيحين (٣) أنه لمَّا طلَّق امرأته في الحيض غضب النبي - ﷺ - وقال: "مُرْه فيراجعها، حتى تحيض ثم تطهر، ثم تحيض ثم

(١) انظر تفسير القرطبي (٣/ ١٣٢) و"مجموع الفتاوى" (٣٣/ ٨٣) و"إغاثة اللهفان" (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، حكى ذلك عنهم ابن وضاح.

(٢) بعده سبعة أسطر في الأصل وكتب في الهامش: "مكرر يأتي في موضعه".

(٣) البخاري (٥٢٥٢، ٥٣٣٢ ومواضع أخرى) ومسلم (١٤٧١).

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلمج ١ · ص ٣٢٦