فقوله يا قاصداً عين الخبر أي عين خبر التحقيق وقوله غطاه أينك أي مكان وجودك الوهمي إذ لو غبت عن وجودك لوقعت على عين التحقيق وقوله الخمر منك أي شربة خمرة المحبة منك وهذا كما قال، مني علي دارت كؤسي، وقوله والخبر أي والخبر عن عين التحقيق منك أيضاً وسر الربوبية عندك لأنك كنز مطلسم فإذا أردت أن تعرفه فأرجع لذاتك وأعتبر تجد الوجود كله واحداً وأنت ذلك الواحد قال الشاعر
هذا الوجود وإن تعدد ظاهراً ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم
وقال أيضاً رضي الله عنه، لقد فشي سري بلا مقال، وقد ظهر عني في ذا المثال، نرى وجود غيري من المحال، وكلما دوني خيال في، متحد في كل شيء، أنا هو المحبوب وأنا الحبيب، والحب لي مني شيء عجيب، وحدي أنا فافهم سري غريب، فمن نظر ذاتي رآني شيء، وفي حلا ذات طواني طي، صفاتي لا تخفي لمن نظر، وذاتي معلومة تلك الصور أفن عن الإحساس تري عبر، في السر والمعنى خفيت كي، لأنه مني ستر على، وقد أتفقت على هذا المعني وهو سر الوحدة مقالات العارفين ومواجيد المحبين وأشعارهم كل على قدر ذوقه وشربه جزاهم الله عنا وعن المسلمين خيراً ولا يفهم هذه العبارات إلا أهل الأذواق والإشارات وحسب من لم يبلغ لها فهمه ولم يحط بها علمه أن يسلم ويكل فهمها إلى أربابها وليعتقد كمال التنزيه وبطلان التشبيه لأن هذه المعاني أذواق لا تنال إلا بصحبة أهل الأذواق ثم أستدل على بطلان وجود الحجاب في حقه تعالى بعشرة أمور متعجباً من كل واحد لظهوره مع خفائه أي لشدة ظهوره عند العارفين وشدة خفائه عند الغافلين الجاهلين فأشار إلى الأول بقوله كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء والظاهر هو الباطن ما بطن في عالم الغيب هو الذي ظهر في عالم الشهادة فحياض الجبروت متدفقة بأنوار الملكوت، أنظر جمالي شاهداً في كل إنسان، الماء يجري نافداً، في أس الأغصان، تجده ماء واحداً، والزهر ألوان، يا عجباً كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف، عجبت لمن يبغي عليك شهادة، وأنت الذي أشهدته كل شاهد، ثم ذكر الثاني فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء بباء الجر أي تجلي بكل شيء فلا وجود لشيء مع وجوده فكيف يحجبه شيء والغرض أن لاشيء قال صاحب العينية رضي الله عنه
تجليت في الأشياء حين خلقتها ... فها هي ميطت عنك فيها البراقع
ثم ذكر الثالث فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء بقدرته وحكمته القدرة باطنة والحكمة ظاهرة فالوجود كله بين قدرة وحكمة وبين جمع وفرق وقد تقدم قول بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه أي بقدرته وحكمته فلولا ظهور أنوار الصفات ما عرفت الذات ولا الحس ما قبضت المعني ولولا الكثيف ما عرفت اللطيف وللششتري رحمه الله، محبوبي قد عم الوجود، وقد ظهر في بيض وسود، وفي النصاري مع اليهود، وفي الخنازير مع القرود، وفي الحروف مع النقط، أفهمني قط أفهمني قط، ثم قال، عرفته طول الزمان، ظهر لي في كل أوان، وفي المياه وفي الدلوان، وفي الطلوع وفي الهبوط، أفهمني قط أفهمني قط، ثم ذكر الرابع فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر لكل شيء بلام الجر أي المتجلي لكل شيء بأسرار ذاته وأنوار صفاته ولما تجلى لكل شيء وعرفه في الباطن كل شيء وسبح بحمده كل شيء فلم يجبه شيء عن شيء قال الله تعالى " وأن من شيء إلا يسبح بحمده " يقول بلسان حاله سبحان المتجلي لكل شيء الظاهر بكل شيء يفقهه العارفون ويجهله الغافلون ثم ذكر الخامس فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء فكل ما ظهر فمنه وإليه فكان في أزله ظاهراً بنفسه ثم تجلى لنفسه بنفسه فهو الغني بذاته عن أن يظهر بغيره أو يحتاج إلى من يعرفه غيره فالكون كله مجموع والغير عندنا ممنوع ثم ذكر السادس فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء إذ لا وجود للأشياء مع وجوده ولا ظهور لها مع ظهوره وعلى تقدير ظهورها فلا وجود لها من ذاتها فلولا ظهوره في الأشياء ما وقع عليها أبصار
من لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لولاه عين محال