اقبل علينا لا تخف فلنا الهدى ... ولنا الجلال مع الجمال خذ الصفا
واقصد حمانا ما أتانا مذنب ... إلا نجالو كان من الذنوب على شفا
اللهم إنا قصدنا حماك خاضعين ولجنابك منتسبين وبحبل جوارك متمسكين وبعز جاهك مستعزين وبنصرك السريع منتصرين فانصرنا ولا تنصر علينا يا خير الناصرين حاشا عهدك الوافي ونصرك الكافي أن تخذل من دخل تحت جوارك أو تطرد من وقف ببابك يا خير من سئل ويا أكرم من أعطى أرحم عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً برحمتك يا أرحم الراحمين إلهي ما ألطفك مع عظيم جهلي وما أرحمك بي مع قبيح فعلى قلت هذه المناجاة الثامنة وهي تتميم لما قبلها لأن الحق إذا كان وكيلاً لك وناصراً لك وحفياً بك فقد لطف بك وأنت لا تشعر فاللطف هو سوق المسار من حيث المضار أو سوق المنافع في قالب الفجائع والحاصل أن اللطف هو جلب الخير جلباً لطيفاً لا يعرفه إلا أهل البصائر فاللطف الجميل هو الذي يكون باطنه نعمة وظاهره نقمة باطنه جمال وظاهره جلال فالعارف بالله يرى نفسه مغموراً في اللطف في كل حال ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه فيما تقدم من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره وأما الجاهل بالله فلا يشعر باللطف إلا إذا كان حسياً ظاهراً جلياً ولذلك قال الشيخ في هذه المناجاة تواضعاً وتنزلاً إلهي ما أطلفك بي مع عظيم جهلي حيث جهلت لطفك الخفي وطلبت لطفك الجلي ولو عاملنا الحق تعالى بمقتضى جهلنا لنزرع لطفه الخفي عنا وتركنا مع مرادنا ولكنه سبحانه حليم فلم يعاملنا بمقتضى جهلنا فلطف بنا مع عظيم جهلنا ولذلك تعجب الشيخ من شدة لطف الله به مع عظيم جهله وهذا كما قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه إذا سألت الله العافية فاطلهبا من حيث يعلم أنها لك عافية وقال أيضاً في مرضه حين قال له إنسان اسأل الله لك العافية قال له ما أنا فيه هو العافية وقد سأل العافية أبو بكر رضي الله عنه فمات مسموماً وسألها عمر رضي الله عنه فمات مطعوناً وسألها عثمان رضي الله عنه فمات مذبوحاً وسألها علي رضي الله عنه فمات مقتولاً اه فالعافية واللطف هو الرضى والتسليم وسكون القلب عند مجاري الأقدار والرحمة هي اللطف والمحبة والتقريب فالحق تعالى يريد أن يقرب عبده إليه ويطوي مسافة البعد بينه وبينه بما يسلط عليه من اذاية الخلق والفقر والأمراض وغير ذلك مما يؤلم النفس ثم أن العبد يفر منها ويسأل الله أن يبعده منها لأجل جهله وقبيح فعله ولذلك ورد في بعض الأخبار يقول الله تعالى يا عبدي كيف أرحمك بدفع ما به أرحمك أو كما قال وهذا معنى قوله إلهي ما أرحمك بي مع قبيح فعلى وهو هروبي مما به رحمتي ويحتمل أن يريد بقبيح الفعل الذنوب والمعاصي فإنها توجب المقت والبعد فلو عاملنا بمقتضى فعلنا الذميم لأذاقنا من بأسه الأليم لكن رحمة الرحمن الرحيم غلبت عذابه الأليم أوحى الله تعالى إلى سيدنا موسى عليه السلام يا موسى خاطب المذنبين باللطف واللين وادعهم إلى بالقول الجميل ورغبهم في النعيم المقيم ولا تغلظ عليهم فلو شئت أن أعجل عقوبتهم لما أمهلتهم طرفة عين أعملهم أنه من تاب إلى قبلته ومن تمادى أمهلته ومن عصاني عذبته يا موسى من ذا الذي قصدني صادقاً فخبيته أو لجأ إلى فأسلمته أو سألني فمنعته أو رجع إلى فطردته أو تاب إلى وما قبلته أو تضرع إلى وما رحمته اه ولما أنزل الله تعالى وما أصابكم ممن مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير قال سدينا على كرم الله وجهه ما معناه يا رسول الله قال علي من آخذه الله بذنبه في الدنيا فهو أكرم من أن يعذبه عليه في الآخرة ومن عفا عنه في الدنيا فهو أعز من أن يعاقبه في الآخرة ومن ستره في الدنيا فهو أجل من أن يفضحه في الآخرة قال على فكانت عندي خيراً من الدنيا وما فيها وأنشدوا
سبحان من أبدع الأشياء وقدرها ... ومن يجود على العاصي ويستره
يخفي القبيح ويبدي كل صالحة ... ويغمر العبد إحسانا ويشكره