تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا تائهاً في مهمه عن سره ... انظر تجد فيك الوجود بأسره

أنت الكمال طريقة وحقيقة ... يا جامعاً سر الإله بأسره

وقال في المباحث

يا سابقاً في موكب الإبداع ... ولاحقاً في جيش الاختراع

اعقل فأنت مسخة الوجود ... لله ما ألاك من موجود

أليس فيك العرش والكرسي والعالم العلوي والسفلي

ما الكون إلا رجل كبير ... وأنت كون مثله صغير

قلت إنما يكون الإنسان نسخة من العالم أو كونا صغيراً ما لم تغلب روحانيه على بشريته ومعناه على حسه ونوره على ظلمته وأما أن غلبت روحانيته على بشريته ومعناه على حسه فقد صار حينئذ ملكوتياً جبروتيا قد استولى على الكون بأسره وصار هو العالم الأكبر والكون نسخة منه وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه

وإني وإن كنت ابن آدم صورة ... فلى معنى شاهد بابوتي

إذ الروح لم يسعها أرض ولا سماء كما بين ذلك بقوله وسعك الكون من حيث جثمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتكم قلت الروح إذا تصفت وتطهرت من كدرات الحسن عرجت إلى عالم الجبروت فلم يحجبها عن الله أرض ولا سماء ولا فلك ولا عرش ولا كرسي بل يصير ذلك في جوفها كشئ تافه وهذا أمر مذوق عند العارفين إذ نظروا إلى الكون بأسره ذاب ورجع ماء فإذا شربوه صار في قلوبهم كقطة وهم متفاوتون في احاطتهمم بالكون فمنهم من يصير عنده كالبيض ومنهم من يصير عنده كالخردلة وذلك بحسب اتساع النظرة وضيفها فكلما جالت الروح في بحر الجبروت صغر الكون عندها حتى لا تحس به ولذلك قال بعضهم لو كان العرش في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به وقال آخر العرش والكرسي منطبعان في ترسى.

وقال شيخ أشياخنا مولاى عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه والعرش والكرسي في طي قبضتي ثم يتلاشى الكون ويضمحل ويتصل عالم الملكوت بعالم الجبروت فلا بقاء إلا للحي الذي لا يموت وهذا لا يفهمه إلا العارفون الذين غلبت روحانيتهم على بشريتهم فصاروا روحانيين ملكوتيين أشباحهم مع الخلق وأرواحهم مع الحق فقد وسعك أيها الإنسان الكون وحصرك من حيث جثمانيتك وبشريتك وهيكلك المحصور ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك لأن روحك متصلة بعالم الجبورت المحيط فلما تكثف وانحصرت في هذا الهيكل لزمتها القهرية فانحجبت بالحكمة وتقيدت بالقدرة فما دامت البشرية كثيفة بحب الشهوات والعوائد فهي محجوبة فإذا تلطفت بذكر الله وانخرق عنها حجاب الحس رجعت إلى أصلها فاتصلت ببحرها فصار الملكوت والملك في طي قبضتها فلم يسعك حينئذ أرض ولا سماء ولا يحصرها عرش ولا فرش ولذلك قيل الصوفي لا تقله الأرض ولا تظله السماء وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن أي الكامل وهو العارف والله تعالى أعلم فالجبروت هو المعاني اللطيفة القديمة التي لم تدخل عالم التكوين باعتبار جمعه ولحوقه بأصله والملك ما دخل التكوين واعتقد فيه الفرق وأهل الجمع لا ملك عندهم وإنما عندهم الملكوت والجبروت فما داموا يفرقون بين النور اللطيف والنور الكثيف فعندهم الملكوت والجبروت والجبروت فإذا ضموا كل شئ إلي أصله لم يبق إلا الجبروت وأهل الفرق أثبتوا الملك بوهمهم وحجبوا به عن الله والله غالب على أمره.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٤٨