تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن علامة الغني به أيضاً الإنس به والوحشة من غيره فالله يغني عن كل شيء ولا يغني عنه شئ فإذا فقد حالاً أو مقاماً سوى شهود ربه ثم استوحش منه فهو بعيد من الحضرة كما أبان ذلك بقوله استحاشك بفقدان ما سواه دليل على عدم وصلتك به قلت استحاشك بفقدان الأحوال والواردات دليل على عدم وصلتك إذ لو وصلت غليه لم تستوحش ممن فقدان شئ وفي الحقيقة ما فقدت شيئاً وهذه علامة الغني بالله أنه إذا فقد شيئاً مما هو في العادة يؤلم فقده كالولد مثلاً أو قريباً أو فاتته عبادة حسية مثلاً أو غير ذلك فإنه يرجع للمعرفة فالله يغني عن كل شئ وهو المقصود من العبيد قال الله تعالى لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم قال في التنوير الهم أن الله سبحانه إنما يدخلك في الحال لتنال منها لا لينال منك وإنما جاءت لتحمل هدية التعريف من الله إليك فيها فتوجه إليها باسمه المبدى فأبداها وأبقاها حتى إذا وصلت إليك ما كان لك فيها فلما أدت الأمانة توجه إلهيا باسمه المعيد فأجرعها وتوفاها فلا تطلبن بقاء رسول بعد أن بلغ رسالته ولا بقاء أمين بعد أن بلغ أمانته وإنما بفتضح المدعون بزوال الأحوال بعزلهم عن مراتب الأنزال هنالك يبدو العوار وتنتهك الاستار فكم من مدع الغني بالله وإنما غناه بطاعته أو بنوره أو قتحه ولكم من مدع العز بالله وإنما إعزازه بمنزلته وصولته على الخلق معتمداً على ما ثبت عندهم من معرفته فكن عبد الله لا عبد العلل وكما كان لك رباً ولا علة فكن عبداً له ولا علة لتكون له كما كان لك اه هذا آخر الباب الثالث والعشرين وحاصلها الكلام على القرب والوصال وما ينشأ عن ذلك من مقامات الأنزال ونتائج الأحوال والغنى بالله عنها في كل حال فهذا هو النعيم على الدوام والإتصال الذي فتح به الباب الرابع والعشرين فقال رضي الله عنه النعيم وأن تنوعت مظاهره غنما هو بشهود واقترابه والعذاب وأن تنوعت مظاهره إنما هو بوجود حجابه فسبب العذاب وجود الحجاب واتمام النعيم بانظر إلى وجهه الكريم قلت نعيم الروح وعذابها إنما هو بشهود وبها واحتجابها وذلك بعد تخلصها من عالم الأشباح وترقيها إلى عالم الأرواح فيكون حينئذ نعيمها روح الوصال وريحان الجمال وعذابها احتجابها عن شهود ذلك الجمال وبعدها عن الكبير المتعال وهذا الأمر حاصل في دار الدوام لجيمع الأنام لأنه تميز الحق من الباطل وعرف كل واحد مثواه ومستقره فأهل الجنان أحسوا بالرضى والرضوان فهم عالمون بقرب الحق منهم ورضاه عنهم لكنهم متفاوتون في العلم فمنهم من يعلم من وراء الرداء ومنهم من يعرف داخل الرداء إلا أهل الأذواق وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد ربهم الإرداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ولا يفهم هذا الرداء إلا أهل الأذواق وأما أهل النار فأحسوا بالبعد من الواحد القهار فتضاعف عذابهم في دار البوار ولو أن الحق تعالى تجلى لهم بصفة جماله لأنساهم ذلك اليوم عذابه ولو أنه تعالى احتجب عن أهل الجنة لضاق عليهم فسيح الجنان ولا نقلب نعيمهم نقمة وعذاباً أما من كان في دار الدنيا عارفاً فلا يحتجب الحق تعالى عنه كما شهده هنا بوسائط أنواره يشهده ثم بلطائف أسراره بل ثم أولى لغلبة المعنى على الحس والقدرة على الحكمة وأما من كان هنا محجوباً فهو أيضاً محجوب قال تعالى ومن كان في هذه أعمة فهو في الآخرة أعمة وللآية تفسيران ظاهر وباطن لكن في دار البقاء يرق الحجاب لرقة الإبدان ولطافتها فلذلك صار نعيمهم لا يكمل إلا بشهود القرب فإذا فقدوه تنغص لأن في تلك الدار صار الحكم للأرواح وفي هذه لدار الحكم للأشباح إلا من ترقى هنا إلى ألم الأرواح فهو من أهل الجنة فنعميه نعيم الأرواح وهو روح الوصال وشهود الكمال فنعيمه بشهود اقترابه ورضوانه فلون زال عنهم شهود القرب أو انقطع عنهم مدد الرضوان لضاق عليهم فسيح الجنان وأما نعيم الأشباح وعذابها أعني من كان محجوباً بها فإنما هو لموافقة ما يلام طبعه أو مخالفته فإذا جاء ما يلايمه من صحة وعافية وجمال حسي فهو في حقه نعيم وإذا جاء ما يخالف طبعه من وجع أو فقد أو منع أو فتنة فهو عذاب في حقه إذ لاحظ له في لذة القرب ومرارة البعد فإنما حظه من التعيم نعيم البهائم نعم لو قدرنا أن العادة تخرق له ويتجلى الحق تعالى له في حال عذابه الحسي بصفة جماله لنسى ذلك العذاب والحاصل أن

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٢٣