تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا أوائل المعرفة وأما وسطها فهو اغتراف من بحر الحقيقة واستشراف على غوامض الطريقة ولا تسعه كل عقول العامة وإنما يخوض فيه الخاصة فإنما تقدم كان فيه استلال بالإسم على المسمى وهذه مرتبة تسقط التفرقة بين الإسم والمسمى وبين الصفة والموصوف ثم قال ولهذا قالوا لجمع سقوط التفرقة وليس بعد هذا إلا جمع الجمع وهو غاية المعرفة فأول المعرفة دلالة الصنعة على الصانع ووسطها دلالة الصانع على الصنعة وغايتها تلاشي كل ما دون الحق كل من عليها فإن ويبقى وجه بك ذو الجلال والإكرام اه قاله الشطي مختصراً هذا آخر الباب الثاني والعشرين وحاصلها الترغيب في تحصيل الأنوار بالتفرغ من الأكدار فإذا فرغت قلبك وتأخر الفتح عليك فلا تسبطئ منه وجود النوال ولكن ايتبطئ من نفسك وجود الإقبال ولا يكمل إقبال العبد على ربه تحتى يستغرق الأوقات كلها في طلبه فكل وقت من العمر لا ثمن له ولا يمكنه التفرغ لحفظ الأوقات حتى يتحرر من رق الكائنات فإذا تحرر مما سواه كان عبداً حقيقة لمولاه فحينئذ اجتباه ولحضرته اصطفاه من غير منفعة له فيه فيه ولا ضرر وإنما يعود نفعه له وضرره عليه إذ لا يزيد في عزه إقبال من أقبل ولا أدبار من أدبر وإنما وصل من وصل بمحض فضله وأبعد من أبعد بمحض عدله ومعنى وصول العبد إلى مولاه علمه بنور عظمة ربه وسناه كما أبان ذلك في أول الباب الثالث والعشرين بقوله وقال رضي الله عنه وصولك إليه وصولك إلى العلم به والا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء قلت قد ذكر أهل الفن في هذا الفن في هذا المقام اصطلاحات وألفاظ تداولوها بينهم تقريباً لفهم المعاني فمنها السير والرحيل وذكر المنازل والمناهل والمقامات ومنها الرجوع والوقوف وكل ذلك كناية عن مجاهدة النفوس ومحاربتها وقطع العوائق عنها أو الوقوس مع شيء منها وسأتي للمؤلف لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ومنها الوصول التمكين والسكون والطمأنينة ومنها المشاهدة والمكالمة والمجالسة والمسارة وغير ذلك وكل ذلك كناية عما أدركته أورواحهم وذاقته أسرارهم من عظمة الحق وجلاله وسيأتي تفسير شيء من ذلك في محله أن شاء الله ومعنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده فوصولك إليه هو شعورك بعدمك حتى يكون عدمك عندك ضروروياً وعلمك يوجوده كذلك وهذا المر كان حاصلاً لك في نفس الأمر لكن لم تشعر وفي هذا المعني قال بعضهم وبعضه للششتري

بين طلوع ونزول ... تخبلت الغزول

أفن من لم يكن ... يبق من لم يزول

جول تزول ... أوامش نزع الفحول

فالزوال هو المعرفة وهو معنى الوصول وسببها جولان الفكرة ولذلك أمره بها وقال شيخ شيوخنا سيدي على الناس كلهم يشاهدون ولا يعرفون وسمعت شيخنا يقول الناس كلهم في البحر أي في بحر الوحدة ولكن لا يشعرون فوصول العبد إلى الله عن تحقيق العلم بوجوده والغيبة عن نفسه وعن كل ما سواه وإلا تكن كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسياً فجل ربنا أي تعالى وترفع أن يتصل به شيء للزوم تحيزه أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره وحصره تعالى عن ذلك علواً كبيراً واعلم أن هذا العلم بالله يكون كسيباً ثن لا يزال يغيب عن نفسه وحسه سكرة بعد سكرة وحيرة بعد حيرة حتى يصحو وينجلي عن ضباب الحس وسحاب الجهل وظلمة النفس فتشرق عليه شمس النهار وتنجلي عنه ظلمة الأغيار وفي ذلك قيل

ليلى بوجهك مشرق ... وظلامة في الناس سار

الناس في سدف الظلام ... ونحن في ضوء النهار

أي ليل وجودى صار مشرقاً مضيئاً بسبب شهود ذاتك وظلام ليل القطيعة سار في جل الناس الناس في جوف ظلمة الأكوان ونحن في ضوء شموس العرفان ثم لا يزال في تربية الشيخ وتحت حضانته ومدده سار إليه بقدر صدقه حتى يسلم له خصيم الظلماني وينفرد النوارني ويحس ذلك من نفسه فحينئذ يقول بلسان الحال أقر الخصم فارتقع النزاع فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء وشرب من كل شيء وأخذ النصيب من كل شيء فيبقى وصوله إلى الواسطة شكراً وإحسانا أن اشكر لي والوالديك وينشد حينئذ بلسان حاله ومقاله

الحمد لله لا تفنى محامده ... والحمد لله في الآصال والبكر

من يهده الله أضحى عالماً فطناً ... بالله في كل ما يبدو من الصور

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢١٥