ولأجل هذا المعنى كان العارفون إذا تحققوا هذا السر وهو أن العبودية لا وجود لها من ذاتها وإنما حكمة وجودها صور سر الربوبية بإظهار أحكام العبودية وعرفوا ذلك حالاً وذوقاً كانت عبادتهم شكراً وكانوا محمولين غير حاملين عملهم بالله لله فعبادة هؤلاء كثيرة عظيمة في المعنى وإن كانت قليلة في الحس ولا تقل أبداً إذ تصرفتهم كلها عبادة نومهم عبادة وأكلهم عبادة ومشيهم عبادة وفي مثل هؤلاء ورد الحديث نوم العالم عبادة وقال أيضاً رجال يدخلون الجنة على الفرش الممهدة قيل من هم يا رسول الله قال الذاكرون الله كثراً أو كما قال عليه السلام ذكره المنذري وقال أبو سليمان قد يرد العارف على فراشه ما لا يدركه في صلاته ولا يستغرب العبد من نفسه بلوغ هذا المقام فإن فضل الله لا ينال بسبب وقدرة الله صالحة لدرك كل مطلب كما أبان ذلك بقوله من استرغب أن ينقذ الله من شهوته وأن، يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية وكان الله على كل شيء مقتدرا قلت لا شك أن الحق تعالى لا يعجزه شيء هو الغالب على أمره وقلوب عباده بيده يصرفها كيف شاء ويقبلها حيث شاء فمن كان منهمكاً في الغفلة مستغرقاً في بحار الشوة فلا يستغرب أن ينقذه الله من غفلته وأن يخرجه من وجود شهوته فإن ذلك قدح في إيمانه وكيف يستغرب ذلك وربنا تعالى يقول وكان الله على كل شيء مقتدرا وأنت من ذلك الشيء وقال تعالى في حق العصاة يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جيمعاً وقال تعالى فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إلى غير ذلك من الآيات وقال عليه السلام لو أذنتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم وليتذكر من تقدم قبله من أهل الغفلة والعصيان ثم صار من أهل المشاهدة والعيان كانوا لصوصاً فصاروا خصوصاً كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي يعزى وكثير ممن يتعذر حصره وقد ذكر القشيري في أول رسالته منهم رجالاً قدمهم أولا تقوية لرجاء المذنبين وليذكر الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم سأل راهباً عن التوبة فقال له لا توبة لك فكمل به المائة ثم سأل عالماً فدله على التوبة وأمره بالذهاب إلى قرية فيها قوم يعبدون الله فصدقهم فمات بالطريق فأخذته ملائكة الرحمة والحديث في البخاري مطولا وكذلك الرجل الذي كان لصاً فسأل عابداً هل له من توبة فاستهزأ به وأخذ ترجونا يابساً وقال له خذ هذا العرجون فإذا أخضر فقد صحت توبتك فأخذه بالنية وجعل يعبد الله وينظر إليه فأصبح ذات يوم معسلجاً أخضر قلت وقد أدركت أقواماً كانوا مغروقين في الغفلة وترك الصلاة لا يعرفون من الدين المشهور قليلا ولا كثيراً فضلا عن طريق الخصوص فانقلبوا وصاروا خصوصا عافين وقد أدركت أقواماً كانوا منهمكين في الذنوب مغروقين في المعاصي وظلم العباد فصاروا من اعظم الصالحين وقد رأيت نصارى بثغر سبته حضروا خلف حلقه الذكر فانجذبوا وتبعونا حتى خرجنا الحد الذي بيننا وبينهم ولو وجدوا سبيلاً لا سلموا سريعاً وقد كان بعض إخواننا يقول في شأن نفسه تعجباً من خروجه من غفلته هذا مدفع النخاس المدبر من عنده شيء فليخرجه فلقد رأينه مجذوباً عارياً رأسه حافيا رجله فهو اليوم من خواص الأولياء والغالب إنما يتفق هذا لمن سيقط على صحبة العارفين الذين عندهم الاكسيروهم موجودون في كل أوان وهذا أمر شهير لا يحتاج إلى دليل ومن شك فليشاهد فيا عجبا ممن ينكر ضوء الشمس بعد طلوعها ونور القمر بعد ظهوره ولكن كما قال صاحب البردة
قد تنكر الهين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم