تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بين حال الفريقين ومقام الرجلين فقال الأول حال السالكين وهم المستشرفون من السائرين حققوا ولم يتمكنوا فهم مملوكون في يد الأحوال إذا غلب عليهم الوجد فاضوا ولم يشعروا وإذا رجعوا إلى أنفسهم ندكوا واستغفروا ثم بين حال الثاني فقال والثاني حال أرباب المكنة والمتحققين وهم الراسخون المتمكنون فلا يعبرون عن تلك الأسرار إلا لأجل هداية المريدين وتربية السالكين وترقية السائرين وأما لغير هؤلاء فلا فإن عبر عنها السالك لا عن غلبة وجد كان في ذلك نوع من الدعوى وإن عبر عنها المتمكن من غير قصد هداية كان في ذلك افشاء لأسرار الربوبية وهي عندهم أعز من الكبريت الأحمر وقد كان الرجل يخدمهم سنين فلا يظهرون له منها قليلاً ولا كثيراً حتى إذا رأوا أعطى نفسه وفلسه وبذل روحه بالكلية أشاروا إليه إشارة خفية فقد ذكر شيخ شيوخنا سيدي على في كتابه إن طائفة من المريدين خدموا شيخاً ثلاثين سنة ثم قالوا له يا سيدنا أردنا أن تعرفنا بربنا فقال لهم نعم غدا ائتوني لداري فلما أتوه أخرج لهم صبياً صغيراً فوجهه إليهم ثم دخل فانظر هذه الإشارة ما ألطفها وأخفاها ثم من الله على أهل هذا الزمان برجال كرام من صحبهم بالصدق منحوه من الأسرار في يسير من الزمان ما لم يدركه المتقدمون في الأزمنة الطويلة جزاهم الله مت الأمة المحمدية خيراً وقد تلكم الشيخ أبو الحسن على حال السالكين والواصلين بكلام طويل ذكره في الطائف المنن ونقله الشطيي فقال أن الله عباداً محق أفعاله وأوصافهم بأوصافه وذاتهم بذاته وحملهم من أوصافه ما يعجز عن سماعه عامة الخلق فهم مغرقون في بحر الذات وتيار الصفات فنوا عن أفعالهم ثم فنوا عن صفاتهم ثم فنوا عن ذاتهم وبقوا بذات الله تعالى ولم يبق لهم منهم شئ ومن كان في الله نتلفه كان على الله خلفه ومن صح بقاؤه ثم قال واعلم أن الفنا يوجب الغيبة عما سوى الله قلت وهو مقام السالكين والبقاء يوجب إيجاد كل شيء مع الله يعني بالله فصاحب الفناء يقوم الله عنه وصاحب البقاء يقوم بالله عن الله وهما ولايتان فولى يتولى الله ورسوله والذين آمنوا وولى يتولاه الله وهو يتولى الصالحين قال الشيخ أبو الحسن وعلامة الولاية الرضى بالقضاء والصبر على البلاء والفرار إلى الله عند الشدائد والرجوع إليه عند النوائب فمن أعطى هذه الأربعة من خزائن الأعمال والمجاهدة فقد صحت ولايته لله ورسوله وللمؤمنين ومن أعطيتها من خزائن المنن والمواددة فقد تمت ولاية الله له فالولاية الأولى ولاية صغرى والولاية الثانية ولاية كبرى قيل له كيف يتولى الله ورسوله والذين آمنوا قال يتولى الله بالمجاهد لقوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا ويتولى الرسول بالمتابعة قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويتولى المؤمنين بالاقتداء بهم وهي علامات من خاض بحر الولاية وأما الذين تولاهم الله فهم الذين صلحوا لحضرته وغابوا عن خليقته فلا يرون في الوجود إلا الله، الأولي تسمى ولاية إيمان وهذه ولاية إيقان فقيل له وما الفرق بين الإيمان والإيقان قال كل يقين إيمان وليس كل إيمان إيقاناً فالإيمان ربما تدخله الغفلة والإيقان لا تدخله الغفلة المؤمن يتجلى له الحق دون كل شئ والموقن يتجلى له الحق في كل شيء المؤمن فإن عن كل شيء فلم يشهد مع الله شيئاً والموقن باق في كل شئ فهو يشهد الله في كل شئ اه ثم بين المؤلف رضي الله عنه فائدة التعبير وثمرة العبارة فقال العبارة قوت لعائلة قلوب المستمعين وليس لك منها إلا ما أنت له آكل قلت العائل هو الفقير والعائلة جمع له فعبارة العارفين قوت لقلوب الفقراء الطالبين لزيادة إيقان قلوبهم ومشاهدة محبوبهم فلا يزالون في حضانة الشيوخ وعيالهم حتى يكمل إيقانهم وترشد أحوالهم فحينئذ يستقلون بأنفسهم وعلامة رشدهم أنهم يأخذون النصيب من طل شيء ولا ينقص من حالهم شئ يفهمون عن الله في كل شيء ويعرفون في كل شئ ويشربون من كل شئ فإذا كانوا كذلك فقد استقلوا بأنفسهم وتأهلوا لارشاد غيرهم قال بعض الحكماء من لم يفهم صرير الباب ولا طنين الذباب ولا نبيح الكلاب فليس من ذوي الألباب وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا بد أن يلزم العش في حضانة من يرزقه ويطعمه فإذا طار من العش قبل تربية الجناح اصطادته الكلاب والبيزان ولعبت به النساء والصبيان

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٩١