مثلما ظهر التوازن ـ وهو وجهٌ آخر للهدوء ـ من خلال حوار صوتي تمثّل في صوت الخاء وهو صوت مهموس وصوت الضاد وهو صوت مجهور، ظهر أيضاً في توزّع الزحافات التي تعرّض لها البيت، فهو الموزون على:
لم أزل بارد الجوانح مذ خضـ /0//0/0 //0//0 ///0/0 فاعِلاتن متفعِلن فعِلاتن ز ... ـخضت دلوي في ماء ذاكَ القليبِ /0//0/0 /0/0//0 /0//0/0 فاعلاتن مستَفْعلن فاعلاتن ز
حيث تعرّض الشطر الأول إلى زحاف" الخبن" في كلٍّ من " مستفعلن متفعلن، فاعلاتن
( العروض ) فعلاتن "، بينما لم يتعرّض الشطر الثاني إلى أيّ زحافٍ في محاولةٍ من الشاعر لخلق حالة التوازن النغمي في إيقاع البيت المعتمد أصولاً على موسيقاه المزدوجة.
ويقول أيضاً (1):
وعلا عارضيه ماء الندى الجا ز ... ري وماء الحجى وماء الشبابِ ز
يلفت انتباهنا بادئ ذي بدء " التدوير " بوصفه فرعاً من فروع الموسيقا الداخلية، يؤازره في بناء الإيقاع العام للبيت " الترديد " من خلال تعليق الماء بمتعلقاتٍ ثلاث " الندى، الحجى، الشباب "، وبموجب ذلك يأخذ مرموز الماء مع كلّ متعلق معنى إضافياً يغني الإيقاع من حيث اللفظ بتكرار مفردة " ماء "، ومن حيث المعنى، إذ نحن أمام ثلاث من خلال المتوفى " أحمد بن هارون القرشي "، فهو الكريم السخي وهو العاقل الحكيم، وأخيراً هو الشاب الشجاع. إذاً إيقاع البيت ينشأ بالاعتماد على ثنائية تعدّديّة قوامها اللفظ والمعنى، ما يدفع بأبي تمام إلى استخدام صيغة المثنى كلّما سنحت له الفرصة " عارضيه " دلالة على ولعه بهذا الصيغة، وإذا لم يتمكن من ذلك نزع إلى استخدام الترادف أو الطباق أو الجناس تحقيقاً لهذه الغاية التي ربّما بسببها نحصل على إيقاعٍ متميّز لا رتابة فيه ولا ضوضاء، وهذا ما تؤكده الموسيقا الخارجية للبيت السابق بالنظر إلى وزنه الموسيقي وقد نظم على البحر الخفيف؛ وهو بحرٌ غنائيٌّ إيقاعي في الغالب.
(1) ـ التبريزي، شرح ديوان أبي تمام، م 4 ـ ص 52.