وأجمع الرواة أن أبا بكر لما قبض ارتجت المدينة ودهش القوم كيوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !
وجاء علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - باكياً مسرعاً حتى وقف بالباب وهو يقول: (رحمك الله يا أبا بكر كنت والله أول القوم إسلاماً وأخلقهم إيمانا وأشدهم يقيناً وأعظمهم غنى وأحفظهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدبهم على الإسلام وأحماهم عن أهله وأنسبهم برسول الله خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله وعن المسلمين خيراً.
صدقت رسول الله حين كذبه الناس وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا. وسماك الله في كتابه صديقا فقال: ﴿ والذي جاء بالصدق وصدق به ﴾ يريد محمداً ويريدك.
كنت والله للإسلام حصناً وللكافرين ناكباً.
لم تضلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك ولم تجبن نفسك كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف.
كنت كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعيفاً في بدنك قوياً في دينك متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله. جليلاً في الأرض كبيراً عند المسلمين.
لم يكن لأحد عندك مطمع ولا هوى. فالضعيف عندك قوي حتى تأخذ الحق له. والقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه.
فلا حرمنا الله أجرك ولا أضلنا بعدك).(1)
وكان علي - رضي الله عنه - إذا ذكر عنده أبو بكر يقول: هو السباق والذي نفسي بيده ما استبقنا الى خير قط الا سبقنا اليه أبو بكر.
و(إن أحسن وصف يمثل أبا بكر بفضائله وأخلاقه لا يدع في النفس حاجة الى المزيد، ما وصفته به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بخطبة وجيزة العبارة عظيمة المعنى جامعة لشمائل أبي بكر وأخلاقه. وإذا أتيت بشيء من ذكر فضائله ومناقبه فإنما يكون تفصيلاً لما أجملت وشرحا لما أوجزت.
فقد روي أنه بلغها أن أناساً يتناولون من أبيها فأرسلت اليهم فلما حضروا قالت:
(
(1) أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسياسة/ 138.