تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اشتد على أبي بكر المرض فلم يشغله عن أمر المسلمين، ولم يثن همته عن النظر في مصلحة الأمة، وخشي - إن هو مات ولم يعهد لأحد بالخلافة - أن تكون فتنة تضطرب لها الدهماء، وتعظم اللأواء وفي القوم نفر ينتهي إليهم شرف السيادة في الجاهلية والإسلام وهم في الفضل والتقدم سواء، ولكن لكل منهم مكانة في القلوب غير مكانة من عداه، وعصبية تريده على الأمر وإن هو أباه، فإن ترك منصب الخلافة شاغراً وجعله شورى بين القوم خيف من تفرق الرأي، وتعذر تأليف القلوب على واحد من أولئك النفر. إذ الشورى في الأمور وإن كان يراد بها تمحيص الآراء لاختيار الأصلح منها والأصوب فيها، إلا أن صاحب الرأي مجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وفي الصحابة – كما قلنا – نفرهم في الفضل والشرف والأهلية كالحلقة المفرغة لا يدرى طرفاها، ولكل واحد منهم عصبية وحزب يريدونه على الخلافة اجتهاداً منهم بوجود الكفاية فيه كما هي في سواه.

إذن فالاختلاف متوقع حتماً بين المسلمين فيما لو ترك أبو بكر

منصب الخلافة شاغراً. والمعذرة قائمة للصحابة في هذا الاختلاف ما دام فيهم عدة من ذوي الكفاءة، وأخصهم أهل بيعة الرضوان من السابقين كما أنها قائمة لأبي بكر أيضاً في عدم تركه الأمر شورى والحال ما ذكر درءاً لخطر ذلك الاختلاف المتوقع من بين قوم هو أبصر بهم وأدرى بأخلاقهم.

وإنما نظر أبو بكر فيمن يختار لذلك المنصب الرفيع شأنه الحرِج موقعه فرأى أنه يحتاج الى رجل فيه شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف. وممن توفرت فيهم هذه الصفة من الصحابة الكرام عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب. إلا أن الأول كان ربما يريد الأمر فيرى في طريقه عقبة فيدور اليه، والثاني يرى الاستقامة فلا يبالي بالعقبة تقوم بين يديه فهو بهذا الى الشدة أميَل منه الى اللين.

إمامة الصديق · الصفحة ١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمامة الصديقص ١١٨