والذي عليه المحققون أن بيعة الصديق - رضي الله عنه - لم يتخلف عنها أحد. وإن كان علي قد تأخر - هو والزبير - رضي الله عنهما بعض الوقت فإنما لكونهما قد وجدا في نفسيهما بسبب أنهما أُخرا عن الشورى(1). وعذر أبي بكر ? - رضي الله عنه - أن الظرف لم يسعفه لذلك، وإلا حسم الأمر لصالح الأنصار. ثم بايعا في اليوم الثاني وتابعا(2). وقد قيل إن علياً بايع بعد ستة أشهر، والصحيح أن هذه البيعة تجديد وتأكيد للبيعة الأولى؛ فإن علياً - رضي الله عنه - لم يفارق أبا بكر في وقت من الأوقات قط ، وكان له في حروب المرتدين خير ظهير. ومهما كان فإنه بايع آخر الأمر، والأمور بخواتيمها. وأما سعد بن عبادة - رضي الله عنه - فقد بايع أيضاً. وهذا هو الصحيح الثابت عنه(3). وما قيل بخلافه فإنه لم يثبت. وإنما هو من وضع الرواة(4). ولو صح فالحجة على من لم يبايع - كائناً من يكون - وليست له. ولقد تخلف عن بيعة علي - رضي الله عنه - كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - .
(1) روى ابن أبي الحديد أن علياً والزبير قالا: (ما غضبنا إلا في المشورة وإنّا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وثاني اثنين ولقد أمره الرسول (ص) بالصلاة وهو حي)/ شرح نهج البلاغة ج6 ص48 .
(2) صححه ابن كثير في البداية والنهاية 5/249 نقلاً عن (أبو بكر الصديق) للدكتور علي محمد الصلابي ص182 .
(3) روى الإمام أحمد عن حُمَيد بن عبد الرحمن أن أبا بكر قال: (ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد: »قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم« قال: فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء).
(4) من رواية الإخباري التالف أبي مخنف لوط بن يحيى [انظر: الصلابي ص130] الذي شوه تأريخ الإسلام. أما متنها فلا يستقيم مع ما هو معروف من شخصية سعد بن عبادة، ولا ما هو معروف من أخلاق الصحابة. فالرواية باطلة سنداً ومتناً.