ولخير لك أن تختار نقطة صغيرة تلقي عليها أضواء كثيرة حتى تتجلى للقارئ، من أن تعمد إلى مسألة كبيرة تلقي عليها أضواء قليلة تتشعع فيها نفسك ويتشعب فيها عقلك.
وأعود فأقول لك الصبر الصبر فيما تلجلج في صدرك، فإذا شككت في أمر فابحث عنه في كل مظانه واستفت أساتذتك فيه، وإذا كان لك جهاز أو أجهزة فجربها عمليا عليها لتعرف مقدار صدقها من كذبها، ولا تكتب إلا وأنت واثق مما تقول، مالئ يدك من البرهان عليه والحجة المقنعة لك ولمن يناقشك.
إن كثيرا من إخوانك لا يرغبون في البحث للبحث، ولكن يرغبون في البحث للشهادة، فخالفهم واطلب البحث للبحث، والفرق بينك وبينهم إذا أنهم إذا حصلوا على الشهادة ناموا وأنت إذا حصلت على الشهادة داومت بحثك وعشت طول عمرك باحثا منقبا متعلما.
إني أعلم أن استعدادك للنظريات كبير، واستعدادك للأعمال اليدوية من رسم وتصوير ونحو ذلك صغير فلا يغرينك حسن استعدادك للنظريات أن تمعن فيها حبا لها واستسهالا لشأنها فتهمل الجانب الآخر، بل الأمر بالعكس، لا تعمد إلى الملكة القوية فتزيد في قوتها، وإلى الملكة الضعيفة فتهملها، بل اعمد إلى موضع نقصك فقوه، وليس يمكن مهندسا أن يكون نظريا محضا من غير إجادة رسم، فخير لك أن تكمل نقصك وتقوي ملكاتك جميعا، من أن تقوي ملكة على حساب أخرى، كالذي يقوي إحدى يديه فيضعف الأخرى وهكذا.
ثم لا تكن مغرورا تعتقد أنك على حق مطلق، وأن غيرك إن خالفك على باطل مطلق، بل وسع صدرك فاجعل حقك يحتمل الخطأ وباطل غيرك يحتمل الصواب، وقلما يعرف أحد الحق كل الحق ويقع أخوه في الباطل كل الباطل، فحقك مشوب بباطل كثير، وباطل غيرك مشوب بحق كثير؛ فاصغ إلى رأيه وأعمل عقلك فيه، واستخرج منه خير ما فيه، وإن أداك ذلك إلى أن تعدل عن رأيك إلى رأيه فافعل، ولا تشمئز من ذلك فالحق يعلو ولا يعلى عليه. إنك إن فعلت ذلك نجحت وأتتك أعراض الدنيا بعد ذلك تبعا، والصوفية يقولون في أمثالهم: صاحب الخصوصية لا بد أن يظهر يوما ما، فلا تتعجل المكافأة، ولا تغضب من عرض يفوتك، فتلذذك من الحقيقة والبحث عنها محسوب عليك، وهي أكبر لذة في الحياة، أتتك بعدها أعراض الدنيا أم لم تأت.
وكنت أعرف صديقا، رحمه الله، ملأه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان وطنيا مخلصا ومحبا للعلم مخلصا، يفرغ من عمله فيكمل نفسه بحضور الدروس على الشيخ محمد عبده رحمه الله، ثم على الشيخ محمد رشيد رضا وغيرهما من العلماء، ويستفهم عما لا يفهم، ويعلم من يجهل، وضم إلى العلم الوطنية، وكانت وطنيته أرفع من أن تنغمس في حزب فكان فوق الأحزاب. وكان يعمل أكثر مما يقول، ويتبع قول المرحوم قاسم بك أمين: «إن الوطنية الصادقة تعمل في صمت». وجد في تربية زوجه وأولاده على مبادئه، فكان يصلي بهم الفجر حاضرا، ويلزمهم الصدق في كل ما يقولون والعدل في كل ما يفعلون، سواء عليه في ذلك بنته أو ابنه، فعوضه الله عن مجهوده بصلاح أبنائه وبناته ونجاحهم جميعا في الحياة. كان إذا عذب أو أهين احتمل ذلك في ثبات، ومن الأسف أن استقامته أغضبت كثيرا من إخوانه ورؤسائه فكانوا ينقلونه من القاهرة إلى أقصى الصعيد، ولكنه مع ذلك يحتمل ويحتمل، ويصلح ما فسد في أي مكان رحل إليه، فيزيدهم ذلك غيظا وهو لا يبالي، حتى مات، رحمه الله، راضيا عن نفسه مطيعا ربه، ومثل ذلك قليل. فاعمل لتكون مثله، وفقك الله وأيدك وأمدك بروح منه والسلام.
حاشية:
أتذكر فلانا صديقك؟ إنه كان يعمل في كلية الهندسة في مصر فأدار آلة ميكانيكية كبيرة ولم يحتط الاحتياط الكافي، ولم يلتفت إلى الآلة الالتفات الضروري، فمس سلكا كهربائيا فيها فصعق ومات، رحمه الله، وإني لا أقص عليك هذه القصة لأزعجك ولكن لأحذرك، فاتق شر ما عمل، وأعط كل عقلك وانتباهك إلى العمل الذي تعمله، وكن جادا كل الجد في أوقات الجد، ولا بأس أن تكون هازلا بعد في أوقات الهزل. وقد ذكرت لي في إحدى خطاباتك أن آلة مكهربة كاد يمسها تلميذك والعامل عندك، وهو إذا مسها صعق لكثرة ما فيها من شحنة كهربائية، فصرخت في وجهه صرخة قوية، وظلت أسبوعا لا تجد أعصابك، فحمدت لك ذلك، وأردت أن أنبهك على غلطة زميلك، والسلام عليك من والد يريد الخير لك دائما.