أي بني!
إن أخاك هذا ذكر لي بعد ذلك أنه انتقل من إنجلترا إلى السويد ليتمرن في مصانعها الهندسية، وأنه صحب مهندسا سويديا يحب القراءة في الكتب الأدبية وفي كتب النفس والاجتماع ونحو ذلك، وأنه بمخالطته ومصادقته تعلم منه القراءة ... فكان يرشده إلى الكتب القيمة التي يجب أن يقرأها، ويستحثه أن يغشى المكاتب ويقلب فيها نظره، ويشتري ما يعجبه موضوعه منها، فنمت عنده ملكة القراءة، وأنه على أثر ذلك - بسبب هذا الصديق - انضم إلى جمعية فرضت على أعضائها أن يجتمعوا كل أسبوع مرة، وأن يحضر أحد أعضائها بالتناوب حديثا كل أسبوع حسبما يختار، يقرأ فيه ما استطاع قراءته ثم يعرضه عليهم، وبعد سماعه يتناقشون فيه مناقشة تطول أو تقصر، وانقلبت هذه الجلسة إلى لذة عقلية ممتعة له، حتى كان يترقب تلك الساعة ويتمناها طول الأسبوع، وأنه استفاد منها فائدة كبرى غيرت حياته، وغيرت عقليته. ومن ذلك الحين أصبحت له مكتبة تشمل كتبا من كتب «أدلر» في علم النفس، ومن كتب «موم» في الأدب، ومن كتب «برتراند رسل» في الفلسفة، ونحو ذلك. ثم كان كأنه خلق خلقا آخر. فأناشدك الله أن تعمل مثل هذا.
أي بني!
لست أريد أن أقيم لك البراهين بأكثر من أن تقارن بين شباب قضوا أوقات فراغهم في لعب نرد أو شطرنج أو حديث فارغ في الأندية والمقاهي، وبين شباب أحبوا الكتب والمطالعات، ووضعوا لهم برامج في تثقيف نفوسهم وتوسيع عقولهم. أريد أن تقارن بين هاتين الطائفتين أيهما أكثر لذة ومتعة لأنفسهم، وأيهما أكثر نفعا لأمتهم، وأيهما أجدر بلقب إنسان؟
أي بني!
لا تظن أنك تستطيع أن تكون مهندسا عظيما بقراءتك في الهندسة وحدها، ولا أن يكون زميلك طبيبا عظيما بقراءته في الطب وحده ... فالعقل وحدة، وثقافته في أي موضوع آخر يفيده في الموضوع الذي تخصص فيه. فكم أتت فكرة هندسية عظيمة من قراءة كتاب في الأدب، أو في الاجتماع! وكم أتت فكرة طبية سامية من ثقافة اجتماعية أو فلسفية. ويخيل إلي أن كثيرا من الأطباء ينقصهم المنطق مثلا، فلو تعلموا شيئا من المنطق لاستطاعوا أن يحددوا بالضبط نوع المرض ونوع العلاج، وخاصة في الأمراض التي تتشابه أعراضها، وتتقارب أوصافها؛ فالمنطق وحده هو الذي يستطيع أن يقول - بناء على هذه الأعراض المتشابهة - إن هذا المرض كذا دون كذا، والطبيب الناجح هو الذي منح ملكة منطقية بالفطرة، ولو نميت هذه الملكة الفطرية بشيء من الفلسفة والمنطق التعليمي لكان صاحبها أنبغ وأعظم.
أي بني!
مفتاح هذه المشكلة أن تجتهد أول أمرك أن تكون لك هواية في فرع من فروع الثقافة العامة، كنوع من دراسة التاريخ، أو نوع من الأدب، أو نوع من الدراسة النفسية أو الاجتماعية بجانب دراستك الخاصة ... تبدأ فيه على مهل، وتحبب نفسك فيه رويدا رويدا، كما يفعل من يريد أن يمرن نفسه على هواية الزهور أو جمع أوراق البريد أو الرسم أو نحو ذلك، فإذا صبرت على هذا قليلا قليلا، وجدت أن لذتك تنمو شيئا فشيئا، ولا تزال كذلك حتى تصبح هذه الهواية «كيفا» لا تصبر عنه ولا تستطيع العيش بدونه، ولكنه «كيف» راق سام نبيل نافع. فإذا وصلت إلى هذه الدرجة استسخفت من يضيعون أوقات فراغهم في الحديث التافه واللعب السخيف والقراءة الرخيصة، وأحببت أن تصادق من قويت ثقافته ونضج تفكيره، ونعمت هذه الصداقة.
أليس عجيبا أن تسمع من زملائك أنهم يريدون قتل الوقت بلعب الورق، أو قتل الوقت بالحديث التافه، أو قتل الوقت بالكلام في أعراض الناس أو نحو ذلك ...؟ كأن الوقت عدو يقاتل، مع أنه المادة الخامة للحياة، وهو أجدر بأن يصادق لا أن يقاتل، ولكن كم يجني الإنسان على نفسه بمعاداة أحق شيء بالصداقة!
أي بني!
تصور أنك ستعيش بعد ذلك أربعين أو خمسين عاما، وتصور ماذا تجني في هذه السنين الطوال إذا أنت صرفت جزءا كبيرا منها في تقويم نفسك وتثقيف عقلك ، وتصور كيف تخسر إذا أنت صرفتها أو أكثرها فيما يضر ولا ينفع. بل أنت إذا حسبت ذلك بحساب اللذة الشخصية فحسب، وجدتك تتلذذ أضعافا مضاعفة من لذائذك العقلية أكثر من لذائذك الجسمية.