لم أزل أضمر لنظرية العامل بقية من البحث، تجمع أطرافها، وتنظم أجزاءها، وتحيط بنواحيها. ولكنه كما تجمع آثار العاهل الظالم، لتعد في زاويتها من متحف تاريخي.
والفكرة التي شرحناها تيسر النحو وتقربه إلى الطالب، وتقتصد عددا من أبوابه، وتستغني عن كثير من مباحثه، ثم تضع القواعد على أساس مستقر من الصلة بين الإعراب والمعنى، فإذا أخذ الطالب بمراقبة تلك الصلة ونبه إليها، كان قريبا أن تكون منه بمنزلة السليقة. وقد بينت من قبل أن المتكلم لا يكاد يخطئ في النوع والعدد، ولا في رعاية أحكامهما، وأن ذلك لحسه بما في إشارات النوع والعدد من معنى، فإذا كان كذلك الإعراب، أمن الزلل فيه أو قل، ولم يكن من سبيل إلى هذا الخلاف الكثير، والجدل الطائر الشرر بين النحاة. فإن الحكم المعنى، ولا نظريات من الفلسفة تدعى، وإذا كان النحو من تلك الجهة، قد تيسر على الدارس، وقلت مباحثه؛ فإنه من جهة أخرى أصبح يستدعي من النحاة جدا ودأبا، ويوجب عليهم أن يعودوا إلى اللغة، ويطيلوا فحصها، وينعموا في مراقبة أساليبها؛ ليجمعوا خصائصها في التصوير والتعبير، ويبينوا أساليبها من النفي والإثبات والتأكيد والتوقيت وغيرها من أغراض اللغة، ولن ينال من ذلك شيئا إلا من وهب ذوقا في اللغة وحسا بأساليبها، وأنواع الدلالات المختلفة فيها. ولا ينبغي أن يعمل في النحو إلا أديب مرهف الحس، صحيح الذوق، حتى تدون القواعد الجديدة، وسيجد هؤلاء النحاة المدد الوافر، والنص الكافي في القرآن الكريم. سيكون لهم البادية والحاضرة السليمة النقية، يتتبعون فيه أحكام العبارة وأساليب الأداء، وينتفعون بقراءاته ورواياته، ما سمي منها متواترا، وما سمي شاذا. ولقد يكون الشاذ أسلم من أوثق ما رووه في الأدب ونصوصه، والشعر وقصائده. ومثل الكتاب في المقدار كاف أن يكون الأصل لتدوين القواعد وتحريرها.
ستكون بينة جديدة، على أن الكتاب الحكيم لا يبلى جديده، ولا يحد مدى بركته لهذه الأمة، وللأمم جميعا.