ثم يريد الله أن يجمعنا بعد الافتراق مرة أخرى، فإذا نحن في الجامعة المصرية الجديدة نعمل معا في التعليم، بعد أن كنا نشتغل معا في التعلم، وإذا أحاديثنا تتصل في الجامعة الجديدة، كما كانت تتصل في الجامعة القديمة، وكما كانت تتصل في الأزهر الشريف، وإذا الأمر يتجاوز بيننا اتصال الأحاديث، فيجد كل منا لذة في أن يختلف إلى بعض ما يلقي صاحبه من دروس، ويشارك فيما يثير بين الطلاب من مناقشة أو حوار.
ثم تفرق الأيام بيننا - أستغفر الله - تحاول الأيام أن تفرق بيننا فلا تستطيع، أخرج من الجامعة وألزم داري حينا، وأشتغل بالسياسة العنيفة حينا آخر، ولكني ألقى صاحبي أكثر مما كنت ألقاه قبل المحنة، ويتصل الحديث بيننا أكثر مما كان يتصل قبل الأزمة، ثم أعاد إلى الجامعة، وإذا نحن نعود إلى الاشتراك في الدرس، ونمضي فيما كنا فيه من الجدل والحوار.
وكان النحو أشد موضوعات الحديث خطرا، وأكثرها جريانا فيما كان يكون بيننا من حوار. ضقنا بأصوله القديمة منذ عهد الأزهر، وأخذنا ننكر هذه الأصول أيام الجامعة القديمة، وأخذنا نلتمس له أصولا جديدة منذ التقينا في الجامعة الجديدة.
فأنت ترى أني حين أقدم إليك هذا الكتاب الجديد؛ إنما أقدم إليك صديقا قديما عرفته منذ عهد بعيد جدا، ورأيته يشب وينمو ويتطور حتى تم خلقه واستوى كما تراه في هذه الصفحات.
ولعلك بعد هذا تصدقني إن قلت لك إني الآن حائر لا أدري أي الطريقين آخذ؟ وأي الطريقين أدع؟ طريق الحديث عن الكتاب، أم طريق الحديث عن صاحب الكتاب؟ فكلاهما يملأ نفسي حبا وحنانا وإعجابا.
فأما الكتاب، فلأنه لا يصور الحياة العقلية لصاحبه وحده منذ أكثر من ربع قرن، ولكنه يصور طرفا من أطراف الحياة العقلية لي أنا أيضا، وإن صاحبي ليقرأ على الباب من أبواب الكتاب فلا أسمع صوت صاحبي، وإنما أسمع صوت إبراهيم، ولا أتجه إلى ما أسمع كما تعودت أن أتجه لما يقرأ علي من الكتب والأسفار، وإنما أتجه له في شيء من الاستعداد للمناقشة والتهيؤ للجدل والتأهب للنقد الشديد، كأني أناقش إبراهيم في مسألة من مسائل النحو، وما أعرف أني لقيته فأطلت لقاءه ثم افترقنا دون أن نلم بطرف من أطراف النحو ونخوض في مسألة من مسائله، ونستحضر قول هذا النحوي أو ذاك، ونحاول تخريج هذا البيت أو ذاك.
والكتاب بعد هذا أو قبل هذا يصور صاحبه أدق تصوير وأصدقه وأبرعه، فهو بريء كل البراءة من هذا الغلو الذي يمتاز به المجدون في لون من ألوان العلم، فإذا هم يفتنون بآرائهم الجديدة، ويفنون فيها، وينسون كل قصد واعتدال، ويتكلفون في سبيل ذلك ما يقبل وما لا يقبل من الرأي، ويحتملون في سبيل ذلك ما يطاق وما لا يطاق من التبعات.
والكتاب بريء من هذا كله، يزينه قصد صاحبه وإيثاره للاعتدال، تقرأه فلا تحس أنك تنتزع من النحو القديم انتزاعا، وإنما تحس أنك تمعن فيه إمعانا، وكأنك تقرأ كتب الأئمة المتقدمين من أعلام البصرة، أو الكوفة، أو بغداد.
علم غزير صحيح بأصول اللغة وفروعها، ومذاهب النحويين والأدباء في فهم هذه الأصول والفروع وتخريجها، وتحدث عن ذلك بلغة الرجل الذي ألفه وتعوده، فليس متكلفا له ولا محدثا فيه، وتواضع لا يفرضه صاحبه على نفسه ولا يحتال في الازديان به، وإنما هو صورة للطبع ومكون من مكونات المزاج.
تواضع تحسه، فيفيض في نفسك حب صاحبه، والميل إليه، والإعجاب به، والثقة بما يلقي إليك من الحديث، وأمانة في الرأي والنقل جيمعا، لا تكاد تمضي في الكتاب حتى تحسها قوية جلية، كأقوى ما تكون الأمانة وأجلاها، وإذا أنت ترى المؤلف يحاسب نفسه أشد الحساب كلما خطر له رأي، وكلما جرى قلمه بكلمة، أبغض الناس للتزيد، وأشد الناس انصرافا عن هذا التهاون مع النفس، الذي يبيح لكثير من الناس ما لا يباح للعالم الخليق بهذا الوصف.