وبثبت تأثرهم بمدى تطبيق الداعية لما يدعو الآخرين إليه، ويتفق الناس جميعاً- على اختلاف أزمانهم وأماكنهم - على تلك الحقيقة، وهذه بعض الأدلة.
أ- فهذا سيدنا شعيب عليه السلام- وهو المعروف بأنه خطيب الأنبياء - يحكي القرآن الكريم قوله لقومه: (وَمَا أُريدُ أنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاًحَ)(1).
ب- وهذا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سيد الدعاة يدعو الناس إلى التخلي عن أمور الجاهلية، وذلك في خطبته في حجة الوداع، ولا يكتفي في ذلك بالقول، بل يعطى لهم القدوة من نفسه أولاً، ففي ضمن ما قاله صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة. "ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث . . . .، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا، رب عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله"(2)
ج- ومما يروى عن الإمام الحسن البصري، وهو شيخ الواعظين، جاءه عبيد البصرة يشكون إليه سوء معاملة سادتهم لهم، وطلبوا منه أن يحث الناس على عتق الرقاب، وتأخر الإمام في تلبية هذا الطلب عدة جمع، ثم خطب فيه بعد ذلك، فما من أحد جمعه في المسجد إلا خرج وأعتق عبده . . وحين عتب عليه الأرقاء تأخره في تلبية طلبهم كل هذه المدة، أجاب قائلاً. "إنما أخرني أنني كنت لا أملك عبداً، ولم يكن معي ما أشتري به، فلما رزقني الله مالاً اشتريت عبداً وأعتقته، فلما
<37>
طبقت على نفسي ما أمرت به غيري وجد الكلام استجابة في قلوبهم(3)".
د- ومما قيل شعراً في هذا المعنى:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... ... هلا لنفسك كان ذا التعليم؟
(1) سورة هود – الآية (88)
(2) أخرجه مسلم (ج 2 - ص 889) كتاب الحج- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم
(3) انظر (حديث من القلب) ص9- الشيخ عبد الحميد كشك- طبعة رابعة 1977م – دار الاعتصام بالقاهرة