وأخيراً، نستطيع القول أن الاستعراب الروسي عكس الجوانب الإيجابية والسلبية في الشرق العربي المسلم ولكن لم يصدر في مواقفه عن رأي متعصب ولم يتزود سلفاً بفكرة ثابتة عن هذا الشرق وإنما عايشه واقعياً فصادف النماذج المختلفة. وعندما تم التعامل مع التراث العلمي العربي الإسلامي وتحقيق المخطوطات والأدب القديم فإن ذلك كان يتم في أحيان كثيرة من خلال التعاون بين العلماء الروس والعلماء العرب وساهم العرب أنفسهم في التعريف بالثقافة العربية الإسلامية وتدريس العربية في جامعات ومعاهد الاستعراب الروسي كما تم ربط الماضي بالحاضر والاهتمام بالأدب العربي المعاصر وأرسى المستعربون الأوائل أسس مدرسة الاستعراب الحالية التي يعتبر المستعربون الروس المعاصرون أنفسهم فيها امتداداً لأولئك المستعربين الأوائل الذين وقفوا جهودهم وعلمهم على أن يكون الاستعراب الروسي بعيداً عن أي دوافع غير الدوافع المعرفية العلمية فكانت صورة العربي المسلم مبشرة بالنهضة الحديثة راغبة في تجاوز واقع التخلف إنه الشرق المسلم الحي الذي يسير بحركته دائماً إلى الأمام وأخيراً أقول أنه يحق لنا التمييز بين استعراب أوروبي غربي ارتبط وكرس نفسه في معظم الأحيان لخدمة القرار السياسي الاستعماري فلم يظهر من الشرق المسلم إلا صورة السلبية، ولم يكتفِ بذلك بل وقام بتضخيم هذا السلبي ونشره عبر وسائله المختلفة ليعطي مبرراً لإحساسه بالتفوق والتمايز وليقرر هيمنته على هذا الشرق وحق الوصاية عليه وبين استعراب كان يظهر الإيجابي والسلبي وتعامل مع الشرق المسلم ومن وجهة النظر المعرفية الإنسانية ووضع التخلف ضمن ظروفه وأطره التاريخية ثم أظهر صورة العربي المسلم كإنسان قادر على تجاوز واقعه في حركته إلى الأمام لقد كان الاستعراب الروسي فعل استكشاف ومعرفة للآخر في إطار التبادل المعرفي والحضاري وليس فعل إنشاء كما هو حال الاستشراق الغربي ولا أجد أفضل من مقولة الأديب العربي
إضاءات على الاستشراق الروسي · الصفحة ٨٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
إضاءات على الاستشراق الروسيص ٨٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي