تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أحد أهداف استعراب كراتشوفسكي، هو فهم العلاقات الداخلية في الدولة العربية الإسلامية، بين الإسلام والأديان الأخرى التي كانت تعيش ضمن الخلافة العربية. وخلص كراتشوفسكي من هذه الأبيات إلى أن الإسلام في هذه الدولة العربية الإسلامية أتاح الحرية الكافية للأديان الأخرى للتعبير عن الرأي، ومعروف أن الأخطل كان نصرانياً. وحرية التعبير التي مارسها الأخطل إلى درجة وصفها كراتشوفسكي بأنها متجاسرة، أمام الخليفة المسلم، الذي يمثل أعلى سلطة دينية وزمنية في ذلك العصر، هذا الخليفة الذي ضمن حرية التعبير للأدباء فلم يعاقب الأخطل وحُفِظَتْ أبياتُه على مدى العصور، إن هذا الموقف لا يصدر عن عقل منغلق متعصب. بل عن عقل حر منفتح وقارن كراتشوفسكي موقف الخليفة مع موقف الرقابة التركية على المطبوعات بعد أحد عشر قرناً وبالتالي فإن قمع حرية الرأي تهمة لا يلصقها كراتشوفسكي بالعقل العربي المسلم في القرن الثامن، وإنما بالعقلية التركية في القرن التاسع عشر، وهذه لفتة عز نظيرها لدى المستشرقين الغربيين الذين ألصقوا تهمة العقل المنغلق على ذاته وعلى الآخرين بالمسلم إطلاقاً، بغض النظر عن الشروط التاريخية التي عاشها المسلم في الأزمنة المختلفة. إن كراتشكوفسكي، من خلال استعرابه، يقدم حرية تفكير الأفراد في الدولة العربية الإسلامية على أنها جزء من تفكير الدولة، وإتاحة التعبير الفكري سواء للمسيحيين (الأخطل) أو للمسلمين، ففي حديثه عن مخطوط (رسالة الملائكة) لأبي العلاء المعري يقول: (أصبح واضحاً لي من السطور الأولى، لماذا كانت هذه الرسالة قليلة الشهرة إلى هذا الحد: فلو كان عند العرب فهرس للكتب الممنوعة والمحرمة. لاحتلت فيه هذه الرسالة مكاناً مرموقاً.

إضاءات على الاستشراق الروسي · الصفحة ٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إضاءات على الاستشراق الروسيص ٧١