تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويكفي هنا أن نشير إلى أحد مواقف الشيخ عز الدين بن عبد السلام مع سلاطين عصره وأمرائه، وذلك حين أراد الملك المظفر الخروج لقتال التتار بالشام، وجد قلة ما عنده من المال في خزانته، وأنه «محتاج إلى المساعدة بشيء من أموال الرعية لإقامة الجند وتجهيزهم للسفر وما يعينهم على ذلك»، فجمع القضاة والفقهاء والأعيان لاستشارتهم في هذا، وطلب الموافقة على ما عزم عليه، فسكت من كان في المجلس إلا الشيخ عز الدين الذي قال: «إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على الحاكم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية، والكبابيش المزركشة، وأسقاط السيوف والفضة وغير ذلك، وتبيعوا ما لكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على سلاحه ومركوبه ويتساووا هم والعامة. وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا.»

3

قال الشيخ هذه الكلمة المدوية غير ناظر لما يلقاه بسببها من اضطهاد وبلاء، ولكن الملك المظفر قبلها منه وعمل بمشورته، فكان النصر من الله القوي العزيز.

وبلغ من مهابة الشيخ عز الدين في قلوب السلاطين والأمراء، أنه لما مات سنة 660 ومرت جنازته بالملك الظاهر بيبرس ورأى كثرة الخلق الذين معها، قال لبعض خواصه: «اليوم استقر أمري في الملك؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس: اخرجوا عليه؛ لانتزع الملك مني!»

4

وبعد هذا، نشير إلى ما كان للشيخ محيي الدين النووي المتوفى سنة 676 في عهد الملك الظاهر بيبرس من مواقف مشهودة خطيرة معه، ومراسلات إليه فيها التوجيه الرشيد والنصح الصريح الشديد، وفيها طلب أن يعدل مع الرعية وأن يرفع عنهم المكوس الظالمة.

5

وإذا كان الواحد من أولئك الفقهاء العلماء لا يخاف في الله لومة لائم، ويرعى لما آتاه الله من العلم كرامته ومن الدين حرمته، فقد كان في ذلك العصر من تنزله الحاجة أو الحرص على الدنيا ومتاعها منزلة الدون ، فهو يستذل للسلطان ويضرع إليه في قصة له، وكان معاصرا لابن تيمية.

وفي هذا، ينقل السيوطي صور قصة «رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك، يقبل الأرض وينهي إلى السلطان (هو الظاهر بيبرس) أيد الله جنوده وأبد سعوده أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سيد السلاطين ومبيد الشياطين - خلد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب ملكه - على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله ...

وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية الناس خصوصا وعموما، وكشف بها عن الناس أجمعين غموما، ولم بها من شعث الدين ما لم يكن ملموما؛ فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خيراتها وعن يمين عنايتها غائبا محروما، مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم الموالين بمراعاة زمامها.

لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة، وأعاديها مخذولة مقهورة، بمحمد وآله.»

6

ونعتقد أن هذا الصنف من العلماء لا يخلو منه عصر، وهو لا يذكر بجانب العلماء والفقهاء الآخرين الذين أحاطهم الله برعايته، وملأت هيبتهم قلوب السلاطين والأمراء وعامة الأمة، بما عرفوا للدين من حرمة، وللعلم من كرامة، أمثال العز والنووي وابن تيمية وتلاميذهم، حتى كان الواحد منهم تهون عليه نفسه، ولا يعطي الدنية في دينه أو كرامته.

وكانت الطبقة الثالثة تجيء بعد هاتين الطبقتين السالفتين: الحكام ورجال العلم والدين، وهذه الطبقة الثالثة تشمل العامة والشعب من تجار وصناع وزراع، وهم الذين عليهم الكد والكدح، ولم يكن الواحد منهم يصل إلى ثمرة عمله كله، لما كان ينوبهم من مظالم ومكوس مختلفة تئودهم أحيانا كثيرة.

ابن تيمية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨