عدم التعصب والجمود
لم يكن الشيخ ابن تيمية بالرجل الذي يتبع غيره في رأي له بغير بينة أو دليل، ولا بالذي يتعصب لرأي ويجمد عليه، وقد بان له خطؤه، بل كان حرا في تفكيره في دائرة الكتاب والسنة، وما صح عن الصحابة من الآثار، غير متعصب إلا للحق وللحق وحده.
خلع عن عنقه ربقة التقليد للغير، ولم يقيد نفسه إلا بالقرآن وسنة الرسول
صلى الله عليه وسلم
وآثار السلف الصالح، إذا تبين له صحة صدورها عنهم. وفي هذه المصادر الأولى للإسلام وشريعته كان له جولات ومجال أي مجال.
على كل هذا يجمع مؤرخوه، وبكل هذا تنطق رسائله وكتبه وآراؤه التي تفرد بها وهي غير قليلة، كما تنطق به حياته وما لقي من سجن واعتقال مرات بسبب بعض هذه الآراء حتى لحق بربه تعالى وهو سجين بقلعة دمشق.
وسنعرض فيما يأتي عند الكلام على فقهه، إلى هذه الآراء التي انفرد بها، والتي حوكم وسجن من أجلها،
18
وحسبنا هنا أن نشير إلى ما فيها من دلالة على حريته في الفكر وعلى عدم جموده على آراء قال بها قبله كثير من أعيان الفقهاء والعلماء، مستهينا في هذا السبيل بما يلقى من عنت وأذى شديدين.
ومن ثم، كان من الحق ما قاله ابن الوردي عنه في هذه الناحية: «وأعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زماننا ولا علومهم، كمسألة التكفير في الحلف بالطلاق (أي لا يقع الطلاق ولكنه يلزم الحالف عند الحنث كفارة اليمين)، ومسألة أن الطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق في الحيض لا يقع.»
19
وهو وإن كان حنبلي المذهب في نشأته، إلا أن ما أخذ به نفسه - من الرجوع إلى المعين الصافي الذي أخذ منه أئمة الفقه المعروفون - أداه بعد دراسات وتمحيص إلى أن يخالف مذهب الإمام ابن حنبل، بل مذاهب الفقهاء الآخرين أيضا في بعض ما ذهب إليه.
ومن ذلك أن هؤلاء الفقهاء أجمعوا على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة، وهذه قاعدة وصلوا إليها باجتهادهم واستنباطهم، ولكن ابن تيمية لم يذهب إلى هذا الرأي الذي لم يشر إليه قرآن أو حديث، فقد نقل عنه أن تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأبي أمه من الرضاع.
20
وكذلك في جواب هذا السؤال: ما الذي يحرم من الرضاع وما الذي لا يحرم؟ يذكر أن زوجة الأب من الرضاع تحرم على ابنه رضاعا في المشهور عند الأئمة، ولكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر لا بالنسب.
21
ونحن نقول: إن هذا النزاع لم يأت إلا من أن القرآن نص بالإجماع على سبب حرمة الرضاع، ونص الرسول
صلى الله عليه وسلم
على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، فمن أين أتى قول الفقهاء بأنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة أيضا! ذلك في رأينا، هو ما جعل الشيخ ابن تيمية يذهب إلى الرأي الذي انفرد به في هذه المسألة.
22
ويظهر لنا أيضا ما يتسم به منهج ابن تيمية من حرية الفكر، وعدم الجمود على ما رآه الفقهاء قبله مهما بلغت شهرتهم وجلالتهم في الفقه، من رأيه الذي ذهب إليه في حرية المتعاقدين في الشروط التي يريانها ويرتضيانها فيما يعقدون من عقود، سواء في هذا عقود المعاوضات والزواج وغيرها.
إنه يجيز كل شرط يرضى به المتعاقدان، ما دام لا يتناقض أو يتعارض مع حكم الله ورسوله، ولا يستثني من هذا الأصل شيئا حتى في عقد الزواج. وهو يستدل لهذا بقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، ويقول الرسول
صلى الله عليه وسلم : «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.» ثم يقول: «إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم ويبطل منها إلا ما دل [الشرع] على تحريمه وإبطاله نصا، أو [قياسا] عند من يقول به، وأصول مذهب أحمد رضي الله عنه المنصوصة يجري أكثرها على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا للشروط منه.»